على حد حلمي

باب ما جاء في «الفتاوي» ذات «البلاوي»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ما يزال السائل «جيم، هاء، لام» من صحراء العرب القاحلة يسأل عن حكم الاحتلام في نهار رمضان، والسائلة «غين، باء، ألف» تستفسر عن نزول شيء منها وهي في آخر مناسك الحج، وما زال مفتي الخمسة نجوم -في نظر الكثير- هو المرجع الأكبر، وآية الله في الأرض الذي يخلّص الناس من الشرور والجحيم ويقودهم بالسلاسل إلى الجنة.

هكذا تنامت فكرة الكتابة عن هذا الموضوع الملغّم في نخاعي المستطيل، وأنا أشاهد مع والدتي -شجرة الحناء رضي الله عنها- برنامج إفتاء مباشر، وكان كل سؤال يُطرح تجيب عليه أمي قبل أن يرتد بصر الشيخ إليه، علما أنها أمية لا تقرأ ولا تكتب.

وعند تتبع ظهور ما يسمى بالمفتي في عصور المسلمين المختلفة، لا نجده في عصر الرسول الكريم الذي وجّهنا لقاعدة شرعية عظيمة اختصرها -صلى الله عليه وسلم- في «استفتِ قلبك» وفي حديثه المرويّ «البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»

تاريخيا وعلى المستوى الرسمي، تذكر بعض المصادر أن منصب المفتي الذي يُعيّن من قبل الوالي أو الحاكم يعود للعصر العباسي، فقد عثر على منقوشة أثرية بالقاهرة على قبر أحد علماء مصر مكتوب عليها «الإمام الفقيه الزاهد العالم الليث بن سعد أبو الحارث المصري مفتي أهل مصر» وقد كُرّس دور المفتي بشكل عميق في عهد العثمانيين لتشريع قرارات الحاكم بأمر الله حتى ولو كانت خاطئة وكارثية.

أما على المستوى الشعبي، ففي فترة ماضية كان لدينا لكل مواطن مفتٍ ولكل مواطنة مفسر أحلام، فتح من خلالها هؤلاء المتنفّعون بالدين دكاكين الفضاء على مصراعيها، لتدرَّ عليهم ملايين الريالات، يبيعون الوهم على العامة ويسوّقون لدجلهم باسم الدين، مشرعنين فتاواهم بالآية الكريمة «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» علما أن الخطاب في هذه الآية موجه لكفار قريش، وأهل الذكر هم أهل التوراة والأناجيل بحسب تفسير الإمام الطبري.

حالة الفوضى في الفتاوى هذه، لم تدم حتى جاء قرار سيادي بإيقاف أي برنامج أو داعية يتصدى للفتوى، باستثناء المفتين الرسميين المخولين بالفتوى عبر قنوات رسمية، بما يتوافق مع المزاج العام، بعيدا عن التجييش والتأليب ولغة الوعظ الترهيبية التي سادت ثم بادت.. ويكفي.

خالد قماش

شاعر وإعلامي، بدأ النشر فى عدة مطبوعات محلية وخليجية منذ عام ١٩٨٩م، كمشرف صفحات وكاتب رأي ومحرر ثقافي فى عدة صحف محلية. أشرف وشارك فى عدة مهرجانات ثقافية، أبرزها: سوق عكاظ بالطائف، بيت الفنون بالأردن، جمعية الأدباء بعُمان، مهرجان الإبداع والفنون بالمغرب، مهرجان حوض البحر المتوسط فى إيطاليا، مهرجان الشعر بالبحرين. أحيا وشارك فى العديد من الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية داخليًا وخارجيًا. صدر له «من دفتر الغيم» مجموعة شعرية، «غوايات تتسلق جدران القلب» مجموعة سردية. كُرم فى عدة ملتقيات داخلية وخارجية، وساهم فى تأسيس عدة مقاهٍ ومنتديات ثقافية.

تعليق واحد

  1. مقال جميل ، كعادة الأستاذ خالد قماش وهو يقدم وجبة خفيفة وغنية في ذات الوقت ، فقد اعتدنا من الدعاة لي الآيات وتطويعها لتطويع الناس ، فهذه الآية (( فاسألوا أهل الذكر )) ومن هم أهل الذكر ؟ حور مصطلح أهل الذكر عبر عقود في غير مكانه ولغير أهله ، وماجنينا إلا مزيداً من التشدد والاطرف .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق