اَراء سعودية
صدى القرية

التاريخ.. منقذ أو مدمر

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لكل أمة من الأمم ومجتمع من المجتمعات تاريخ حضاري وثقافي، كتبته أصابع الزمكان، وما تحتويه من ظروف نشأة وتكوين واستمرار، ولكل شخص تاريخ أسس لحاضره الذي يعيش فيه، وهذا التاريخ الفردي أو الجماعي هو مجموعة من المآسي والأفراح والهزائم والانتصارات والرقي والانكسارات والفشل والنجاحات، ولا يمكن أن يكون التاريخ الفردي والجماعي إلا مجموعة من هذه المتناقضات التي تفرضها حتمية التطور وسيرورة الحياة.

والإنسان العاقل والمجتمعات الواعية تنظر إلى التاريخ بهذا المنظار، وتعترف بسلبياته وتعتذر عنها، وتعتز بإيجابياته وتفخر بها، وتعمل على إصلاح حاضرها بمراجعة تاريخها، وتخطط لبناء مستقبلها بتجاوز عقد التعصب والفوقية والعزة الخادعة.

لقد نجحت اليابان في بناء هذه القوة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية، حينما قال إمبراطورها بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية وتدمير هيروشيما ونجازاكي بالقنبلة النووية، مقولته المشهورة «لقد خسرنا المعركة ولكننا لم نخسر الحياة»

ونجحت ألمانيا في إصلاح أنظمتها الثقافية والقانونية، لتكون من أرقى أنظمة العالم، انسجاما مع قيم العصر وحقوق الإنسان والحريات العامة، بعد أن كانت النازية أسوأ نظام ديكتاتوري عنصري في التاريخ الحديث، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ما زلت أمتنا العربية والإسلامية تغرق في التخلف والتراجع الحضاري، بسبب عدم اعترافها بسلبيات التاريخ والاعتذار عنه، وإصلاح حاضرها وبناء مستقبلها على أسس حضارية، تناسب قيم العصر وحقوق الإنسان والحريات العامة، فما زالت هذه الأمة تسعى جاهدة للعودة لتاريخ العصور الوسطى بكل ما فيه من إشكالات، فرضتها ظروف الزمكان ومحدودية العقل البشري، والمعرفة الإنسانية، ووسائل التواصل التقليدية.

فأمتنا الإسلامية والعربية خصوصا، ما زالت ترى نفسها خير الأمم، وماضيها الثقافي مرجعية الفكر والمعرفة للحياة، وقوانينها الماضوية حقائق مطلقة لا تقبل الشك والمراجعة، ورجال الدين فيها هم أهل القداسة والوصاة والقضاة على المجتمع والعقل والإنسان ووكلاء الله على المواطن والدولة والقيم والأخلاق والمعرفة.

وعلى المستوى الفردي، ما زال إنسان هذه المجتمعات الشرق أوسطية يستلهم تاريخ أجداده كمعيار للصواب والخطأ ويعظم رموز التاريخ، كقديسين لا يجوز نقدهم أو مراجعة مقولاتهم وسلوكياتهم، بل لا ينسى تاريخه القريب في طفولته ومراهقته وشبابه، فيمتلئ قلبه بالأحقاد، ويرفض حركة التغيير، ويفسر الأحداث والظواهر تفسيرا سطحيا رغبويا، يفسد حاضره وحاضر شركائه في الحياة، ويهدم مستقبل الأجيال القادمة، ولذلك لا نستغرب من انتشار لغة «شيلات الهياط القبلي» التي تصور كل قبيلة نفسها فيها بأنها «قبيلة الله» وتجعل من رموزها حكام الكون وقادة المجرات.

وبذلك أصبح التاريخ في هذه المجتمعات سببا رئيسا لتدميرها، وتخلفها، وفشلها على المستويين الفردي والجماعي، بينما كان التاريخ للأمم المتحضرة سبب تقدمها وتفوقها الحضاري على المستويين الفردي والجماعي، والفرق بين الفريقين هو «النظرة للتاريخ» فقط.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق