اَراء سعودية
فضاءات

منصات التواصل.. صراعات لا تنتهي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

نحن نعيش في عصر مشحون، عصر يرزح الإنسان فيه تحت ضغوطات القلق والغضب والخوف والانفعال، ضغوطات ولدتها طبيعة الحياة المعاصرة وإيقاعها السريع ودخول الإعلام الجديد والقديم في تشكيل الذهنية الجمعية، وكم المعلومات الهائل الذي يتم حقن الإنسان المعاصر بها، التي خلقت حالة نفسية مرتبكة وغاضبة، ساهمت وسائل التواصل في نشرها وتعميمها بين الناس بشكل غير مسبوق وكأنها عدوى.

هذا الشحن النفسي الذي يعيشه البشر، أدى إلى بروز اليمين المتطرف في قارات ودول عديدة بالعالم، وتصاعد اللغة الشعبوية ليس في الشارع فقط، وإنما لدى النخب السياسية والاجتماعية، ومن خلال الخطاب الجماهيري الموجه عبر قنوات الإعلام.

هذا التصاعد الكبير للشعبوية والنزعة العامة نحو الصراع، انعكس بشكل مباشر على المزاج العام للناس، وخصوصا في منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات عامة من المعارك الكلامية التي لا تنتهي، معارك كلامية بعضها يرتكز على قضايا حقيقية، وبعضها يتبنى قضايا وهمية ومتخيلة لا تتجاوز حدود العالم الافتراضي الذي تدور فيه، معركة قد تبدأ بكلمة أو تغريدة يلقي بها معرف مجهول لتشتعل بعدها حرب كلامية تمتد لأيام.

تواتر هذه المعارك وتنوعها خلق نوعية من رواد هذه المنصات، لا هم لها ولا عمل سوى الصراع من خلال هذه المنصات، نوعية تختلق الصراع لأسباب قد تكون تافهة وكأنها تتعمده، لتمارس من خلاله حروبا وبطولات وانتصارات في هذه العوالم الافتراضية، تمنحها شعور بالرضا عن الذات.

هذا الكم الكبير من الصراعات في وسائل التواصل، وهذه الرغبة الكامنة لدى روادها بالتخاصم مع الآخر، والتنمر عليه، تجعل المراقب في حيرة حقيقية لمعرفة الأسباب والدوافع خلف هذا كله، هل هي طبيعة المجتمعات المغلقة والمحافظة التي خلقت شكلا من أشكال الكبت، جعلت الناس تنفجر بنقيضها في العوالم الافتراضية؟ أم أن هناك حالة ارتباك نفسي عامة تجتاح البشر في هذا العصر، وتجعلهم يضيقون ذرعا بالآخر المختلف أيا كان؟

من الصعب إيجاد إجابة أكيدة عن هذه التساؤلات، لكن الأكيد أن هناك صراعات وحروبا كلامية تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات العالم الافتراضي، بشكل ملفت، تستحق التوقف والدراسة العلمية لها.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق