برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مجرد قراءة

الأغنية كخطاب ثقافي.. أغنية أصالة أنموذجا

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

العاصفة التويترية التي أحدثتها مؤخرا أغنية أصالة المعنونة بـ«رفقا» التي جاءت كلماتها مشحونة باقتباسات تعيد صياغة نصوص دينية حول المرأة، تكشف عن تغيّر في وعي المرأة السعودية بذاتها، كون «الترند» أخذ مداه في الساحة السعودية بشكل رئيس.

فتحتَ وسمٍ يعمل شحنة قاسية ضد الفنانة السورية، استهجن مدونون ومدونات أيضا، تلك الأغنية التي ذكّرت بضرورة الرفق بالمرأة، المخلوقة الضعيفة، وشقيقة الرجل، والمزدانة بالعفة والطهر والتقى، كمفردات من القاموس الإيماني المتداول في الوسط المحافظ، ومع ذلك لم يشفع لأصالة بوصفها «صاحبة خطاب» من تلقي النقد الأقرب إلى التأنيب اللاذع.

هذا الخطاب ربما لم يعد مقبولا في تصوّر البعض من النساء اللاتي رأين في حيازتهن لوضع اجتماعي مستحق، مكّنهن من أن يكنّ جزءا من الاقتصاد والتنمية، ويتمتعن بحقوق مكافئة للرجل، ذوات مغايرة عن تلك الذوات التابعة للرجل الذي يعتبرها سكنا ومؤنسة، كما صوّرتها كلمات الأغنية / الخطاب.

الخطاب لا يعدو كونه نتاج مجتمع، وبالتالي فهو يعكس طبيعة المجتمع ومواضع الفاعلين فيه، ومقدار قوتهم، ولأن لكل مجتمع خطابا في طور من أطواره، يتناسب مع الأفق المتاح له، فإنه من الطبيعي أن يثير أي خطاب لا يراعي تبدل مواضع القوة و«الفاعلين الجدد» ردة فعل ناقدة بل ناقمة.

لا يعني هذا بالضرورة تمرّد هؤلاء الناقدين أو الناقمين على النص الديني، الذي استند عليه الخطاب، أي الأغنية في هذا المثال، ولكن قد يشير إلى أنهم يمتلكون تأويلهم الخاص لتلك الثقافة المولّدة لتلك النصوص.

والتأويل –بالمناسبة- ليس بالضرورة فعلا مؤسساتيا ممنهجا، بل يمكن أن يكون فعلا عفويا وجمعيا يدفع بالمنخرطين في سياق نمط اجتماعي جديد، إلى تملّك تصوّرهم الخاص النابع من تفاعلهم مع واقعهم المعاش، ثم فهم النص أو حمله على معنى متّسق مع تصوّرهم.

بهذا المعنى، فإن كل الحقول، الدينية والأدبية والفنية، ستكون أمام واقع متجدد باستمرار، بتجدد تجاربه وما تفرزها هذه التجارب من تصور جديد لكل الفاعلين عن ذواتهم، وكيف يعبرون عنها بتحرر كامل عن التصورات التي يحملها خطاب لم ينشئوه، ولم يعبر عنهم ولا يتطابق مع تأويلاتهم الخاصة.

إن الحقل الذي سيتخلف عن التغيّر التلاؤمي، سيكون خارج المنافسة، بوصفه خطابا مفارقا للحظة، متخلفا عن المشهد، فاقدا للتعبير عن الذات المتخلّقة من جديد، فـ«رفقا» بالخارجين.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق