برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
فضاءات

التصالح مع الذات.. هدف حتمي وصعب

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

نحن البشر مخلوقات اجتماعية بطبعنا، لا نستطيع العيش بعيدا عن الآخرين، لكننا في المقابل نبحث عن ذواتنا وسط هؤلاء الآخرين وبينهم نبحث عن التميز، وعن الاحترام، وعن التفرّد الذي يجعلنا كيانا مستقلا له كينونته بين المجموعة.

هذه الرغبة بصناعة مكانة وسط المجموعة، وهذه الحاجة الفطرية لاحترام الآخرين وتقديرهم تدفعاننا نحو الاهتمام برأي الآخرين بنا، وتقييمهم وتقديرهم لما نقوم به من أفعال وسلوكيات وممارسات، إلى درجة قد نتحول معها إلى أسرى ومستعبدين لهذا الرأي، وخصوصا في شبابنا ومقتبل حياتنا المملوءة بالطموحات والأهداف، التي غالبا ما تكون المكانة الاجتماعية على رأسها.

لكن بعد مرحلة معينة من المعرفة والسن والتجربة يتضاعف إدراكنا للحياة والناس، وتزيد قدرتنا في معرفة عمق الأشياء وليس ظواهرها، حينها سنجد أن رأي الناس بنا وتقييمهم لنا ليس أولوية على الإطلاق، فرأيهم بنا يمثلهم هم ولا يمثلنا نحن، رأيهم ينطلق من زواياهم الخاصة ووجهات نظرهم ومكتسباتهم ومصالحهم هم لا نحن.

ندرك أن رأيهم بنا ينطلق مما تعكسه تصرفاتنا وسلوكياتنا على حياتهم هم وليس حياتنا، فإن كانت مفيدة لهم رأونا بشكل جيد، والعكس صحيح.

حينها فقط وبشكل جليّ سندرك أن المشكلة الحقيقية ليست في أن يصمنا أحد بالسلب أو الإيجاب، بالخطأ أو الصح، بالفشل أو النجاح، وأن المشكلة هي في رؤيتنا لأنفسنا ومدى تقييمنا لها، سندرك أن أهم وأصعب رأي قد نحصل عليه هو رأينا نحن في أنفسنا، فمن السهل أن ندعي وأن نتظاهر بالصيغة والصفة التي نرغب أن يرانا الناس عليها، ولكن من الصعب والصعب جدا أن نفعل ذلك مع أنفسنا طوال الوقت.

قد نخدع أنفسنا لفترة وقد نهرب من مواجهتها لفترات، ولكن يستحيل أن نفعل ذلك طوال العمر، فلا بد أن يأتي اليوم الذي نواجه فيه أنفسنا فنبحث عن السلام والصلح معها ولا نجده، إن أمعنا طويلا في خداعها والتذاكي عليها.

سندرك وبشكل متأخر عادة أن رأي الناس بنا ليس ذا معنى أو قيمة حقيقية، فهو متقلب ومتغيّر بحسب حاجاتهم التي يرونها بنا، رأي من السهل أن ينقلب من أقصى اليمين لليسار عند موقف واحد، أو عند اكتساب سلطة ما أو فقدها، وأن رأينا بأنفسنا الذي أهملناه لسنوات طويلة هو الرأي الأكثر انعكاسا على حياتنا وعلى صحتنا النفسية والروحية، وأنه الرأي الأكثر موضوعية وتجرّدا من المصالح، ولذلك فإنه غالبا ما يكون هو الرأي الأكثر صرامة وصراحة وجفافا، وبالتالي الأكثر قسوة، لأنه لا يداهن ولا يجامل.

وأن من يستطيع الوصول إلى حالة صلح وسلام وتفاهم معه فإنه الأكثر نجاحا على وجه هذه الأرض، فتصالحنا مع أنفسنا هو الهدف الأكثر قيمة بالحياة، بالشكل الذي يحتّم علينا السعي نحوه بشكل مباشر وشفاف، بدلا من أن نرمي ذواتنا في أحضان آراء الناس هربا

منه، ذلك الهرب الجبان الذي لن يجدي وإن طال مداه.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق