برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مجرد قراءة

على أطلال محرك جيمس واط

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في زيارتي الأخيرة للعاصمة البريطانية لندن نهاية العام الماضي، لم يسعفني الوقت لزيارة معالم مدينة الضباب، كما هو الحال في رحلات العمل القصيرة، لكن لم يفتني المرور بمتحف العلوم، بنية الوقوف على أطلال محرك البخار الذي اخترعه جيمس واط.

ليس لكوني مهندسا علاقة بقضائي لما يقارب الساعة متأملا المحرك، بل كان دافعي التغيّرات التي أحدثها ذلك المحرّك على كافة الصعد، تقنيا واجتماعيا وسياسيا.

فقد قام جيمس واط عام 1765، بنقلة نوعية كبرى عندما طور المحرك التقليدي الذي اخترع قبله بنحو نصف قرن، ومنذ ذلك التاريخ، تسارعت وتيرة الثورة الصناعية لتغير حتى أنماط الزراعة التي كانت تشكل أساس الاقتصاد ما قبل الصناعي، بدخول المحركات البخارية في عملها.

ألقت هذه الثورة الصناعية بتبعاتها على مجمل الصعد، فبدأت بريطانيا تتوسع استعماريا في العالم لتوفير المواد الخام لصناعتها المتوسعة، ولتأمين خطوط التوزيع في العالم، وبدأ تشكل المجتمع الجديد بظهور علاقات وروابط جديدة بين العامل وموظِّفه.

لكن ما يهمني هنا، هو تلك اللحظة التي بدأ معها يتبلور وعي الفرد بذاته على نحو غير مسبوق، حين تقلّصت الحاجة لعدد المزارعين، وتوفرت في الوقت ذاته وظائف لعمال المصانع الناشئة في المدن المتشكلة حديثا حول المصانع، ما دفع المزارعين السابقين إلى الهجرة إلى تلك المدن.

وعن ذلك التحول، يقول عالم الاجتماع الحضري روبرت بارك: إن الفلاح الذي يأتي للمدينة للعمل والعيش فيها، يتحرر قطعا من ضغط الأعراف التليدة، ولكنه في نفس الوقت لم يعد مسنودا من طرف الحكمة الجماعية لمجموعته القروية، لقد أصبح سيد نفسه.

أي أن النزوح نحو المدن لم يكن هجرة مكانية فقط، بل ذهنية أيضا، فالمزارع -الفرد- الذي نشأ في حاضنة اجتماعية تملي عليه تقاليدها وشروطها، لم يكن يرى قيمة لذاته خارجها، فقد كان دخله وحمايته وأمنه، مربوطا بتلك الجماعة التي لا تقبل المتمردين على عضويتها، على عكس حال المدينة، حيث لم تعد العائلة ولا مالك الأرض السابق في مقام فرض شروطهم على هذا الفرد، الذي أصبح يمتلك هامشا مختلفا للتعبير عن نفسه، وانخرط في رابطة مختلفة مع صاحب العمل الجديد.

تعززت مكانة الفرد أيضا بالفرادة التي اكتسبها نتيجة تقسيم العمل الاجتماعي،  كما تحدث عنه إيميل دوركهايم، إذ امتلك ذلك الفرد قيمة، كونه متمايزا عن غيره في عمله، ومحتاجا لهم في الآن ذاته، فأصبح المجتمع يقوم على التضامن العضوي بدلا من التضامن الآلي الذي كان سائدا في المجتمع ما قبل الصناعي، على حد تعبير «دوركهايم»

المحرّك البخاري ليس استثناء من الاختراعات، التي يخترعها الإنسان لغرض عملي معيّن، لكنها لا تبقى محايدة وحبيسة لذلك الغرض، بل تقوم بدور فاعل في تغيير المجتمع والفرد والاقتصاد والسياسة، ولا يتكهن المخترع بمآلات «ما قدّمت يداه» بل يتطلب الأمر نحو قرن حتى يقوم «دوركهايم» ومن بعده روّاد مدرسة شيكاغو لشرح خصائص المجتمع الجديد، وكيف تم بناؤه وكيف أصبح الفرد فيه.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق