برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

الانصات المسموم

لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة مشهد ما وفقاً لما نراه بأم أعيننا، الواقع لا يملك شاشة ومكبرات صوتية، ولا يعبث به مقص رقيب ولا محرر مونتاج، لكل مشهد تراه يومياً لأي تبادل إنساني تراكمات وترسبات وتبعات أيضاً، وفي كثير من المواقف تكاد تشم رائحة شواء وجداني لأحدهم، أو تسمع طقطقة لفقرات رقبة غير راضية.

في أي لقاء أو اجتماع، هناك صاحبنا الطيب الذي يهز رأسه دون شعور بعناء الرقبة ولا بخفة الدماغ، وهناك الملول الذي يقاطع كل فكرة قبل اكتمال عقدها، وكلاهما لم يستخدما حاسة السمع وما وراءها على النحو الأصوب، بل تركوا لخيالاتهم وأصواتهم الداخلية السبق لإحراز نقطة يظنون أنها تقدمية، وما هي في الحقيقة إلا مدعاة للتأخر سواءً على صعيد مهني أو اجتماعي أو حتى أي تعامل عابر في مطعم أو متجر.

كيف يسبق الكلام الانصات ولدينا جهاز سمعي معقد وطبلة، يفقد المرء الثقيل توازنه إذا ما ولجت إليها نقطة ماء، وكلما تأملتُ في فداحة الأخطاء التي نرتكبها وتبعاتها على مسار العلاقات المزمع أنها صحية وجدت أن الإنصات هو ملك التواصل، يتوقف عليه بناء مجرى واتجاه العلاقة وجميع مراحل النمو -إذا كانت ستنمو- وبالتالي تحقق الاستمرارية من عدمها ونستطيع حينذاك القول بأنها علاقة ناجحة أو ليست كذلك، الإنصات الجيد يعتمد عليه تقييمك الشخصي الأولي للطرف الآخر ومدى اتساق حديثه مع أفعاله، ومن ثم قياس المسافة الفارقة بين المصداقية والنزاهة والاعتمادية لديه وبين الفساد الناخر حتى العظم في القرارات المترتبة على اللقاء.

تمر معظم العلاقات بعد نشوئها بمرحلة “دراسة جدوى” غاية في الحساسية والسرية بين طرفين يحاولان فهم الاكتشافات، وهي مرحلة ابتدائية يمر بها كل تواصل إنساني يميل للاستمرارية لا سيما في الصداقة أو الحب أو الزواج، أي أنواع الترابط الذي يزعم الإنسان أنه يختارها بوعيه وبقرار منه، الأمر مختلف بلا شك في ميادين العمل والعلاقة الإجبارية مع الزملاء –مثلاً- والتي أرى أن الإنصات فيها يتقلد دوراً جوهرياً لا يقل إن لم يتفوق على أهميته في العلاقات الاختيارية.

الانصات السلبي، أو ما يسمى شعبياً بـ”التسليك”، مصيبة أخلاقية مجحفة تقود إلى نتائج وخيمة من احباطات في معنويات محيط العمل، إلى أثرها المرتبك على المنجز المهني، الشخص الذي حدد ردة فعله وجهّز استجابته مسبقاً ليس من نفاد في الصبر ولكن لأنه اعتاد شخصنة الأمور التي بدورها تشكل سحابة رمادية اسمها غياب الموضوعية تطوف في أرجاء العلاقات وتنفث عدوى السُميّة، هو عامل هدم يعيق التقدم دون أن ندرك أن لهذه الميزة البسيطة ظاهرياً القدرة على إحداث كل الفوضى.

 

رأي : رحاب أبوزيد

r.abuzaid@saudiopinion.org

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

تعليق واحد

  1. كل مقال يرد منكِ للقارىء هنا .. أ / رحاب ..
    يزيدنا ثقة بأن القادم من حرفكِ أحلى ..
    خاصة والقارىء يبحث عن حلول للكثير من مشاكل وهموم وربمأ.. رسم له خارطة طريق مع الحب ومع إنسانية جميلة يبحث عنها لبلوغ الحياة الخاصة مع الطرف الأخر بسلام فيه لغة الرومانسية جميلة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق