برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

هل تسمعني؟

في ظل الجائحة التي أعادت رسم الخرائط وقسمت العالم باللون الأحمر والأصفر والأخضر، وغيرت القوانين في كل مكان، يعود الموظفون لمكاتبهم وأعمالهم مع حزمة من الإجراءات الاحترازية وعلى رأسها التباعد ثم التباعد ثم التباعد.

أصبح عقد الاجتماعات حصريا –على سبيل المثال- من وراء شاشات وهواتف حتى لو كان جميع الأطراف في مساحة عمل مشتركة، وفي تلك الاجتماعات تكاد جملة «هل تسمعني؟» تكون الشعار الرسمي، فبين المشاكل الفنية أو سوء الاتصال وبين التحكم في وصول الصوت أو كتمه والضوضاء الناتجة عن كثرة المشاركين والصدى، تتوه عشرات المداخلات، كما تضيع العديد من المعاني ويقل التركيز والتفاعل بسبب الغياب الجزئي أو الكامل للتواصل غير اللفظي والتفاعل الإنساني الطبيعي.

القصة الحزينة نفسها تتكرر بتفاصيل أكثر قتامة في التعليم عن بعد، فالمشاركون أصغر سنا وأكثر عرضة للتشتت وسوء الفهم، والضوضاء الخلفية قد تشمل بكاء أطفال وصوت قرقعة صحون، بل وأحيانا زئير مكانس كهربائية. كل ذلك يبدو كحفل صاخب جدا يرغب الجميع أن يغادره مبكرا.

قبل عام كان الأغلبية يهربون من التواصل الإنساني المباشر ويلجأون للتواصل الافتراضي حتى يصبح أحدهم غريبا عن بيئته، كان شعار «اقطع الاتصال لتتصل» يعلن أننا أمام ظاهرة جماعية للصمم الاختياري، نختار ألا نسمع من حولنا، نختار أن نتجاهل الحميمية والدفء والأحاديث التي تنطق بها العيون والهمهمات والأجساد، حتى جاء اليوم الذي حرمنا منها تماما، الآن وبعد أن كشفت عنا 2020 الغطاء وأبصرنا أي النعم كنا نهمل بملء إرادتنا سنعود للإصغاء، سنقرأ عالمنا والبشر حولنا بعيون جديدة، سنرهف السمع ونتعاطف ونقدر فرص اللقاء والقرب.

سنهرب من الحفل الصناعي المزعج الصاخب ونلجأ لهدوء الفطرة والطبيعة، سنلتفت للجالس على مقربة منا فنهمس: أنا هنا معك، أحس بك وأسمعك، فهل تسمعني؟.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق