برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

حين تتجسد الدبلوماسية بالأفعال

من أهم صفات الممثل الدبلوماسي هي قدرته على التفاوض وإدارة دفة الحوار مع الطرف الآخر، في ظل أجواء تسودها المصالح المشتركة بين الطرفين، وحين تنعدم احتمالية وجود أرضية مشتركة تساعد على بناء تفاهمات تكفل للجميع تحقيق الحد الأدنى على الأقل من المصالح التي يتم التفاوض حولها، أو أن يبدأ أحد الأطراف في استخدام لغة استعلائية في أولى جولات التفاوض، حينها تصبح عملية التفاوض مجرد ثرثرة لا تخلو من محاولة فرض الإملاءات، بهدف إذعان الطرف الآخر للأوامر والتوجيهات.

وهنا يتجلى دور الشجاعة الدبلوماسية، فالشجعان هم فقط من يجيدون في مثل هذه الحالات الرد بما يليق بمستوى الحدث، ومن المتعارف عليه في الأوساط الدبلوماسية، أن أطراف التفاوض في القضايا المصيرية هم جزء من المنظومة السياسية للدولة، بحيث تُبنى على آرائهم مواقف الدول تجاه ما يستجد من أحداث وأزمات.

بعد هذه المقدمة البسيطة، أقول: إن الحديث عن دبلوماسية الأمير سعود الفيصل – رحمه الله – هو بمثابة الحديث عن دور السعودية لمدة تتجاوز أربعة عقود، في ظل تعاقب أربعة ملوك على قيادتها بحكمة واقتدار، رغم كل ما كان يحاك في الخفاء من مؤامرات ودسائس، ذهبت كما يذهب الزبد جفاءً، وبقيت المواقف الشجاعة في سجل التاريخ مشرفة وموثقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ويكفي عراب الدبلوماسية السعودية فخرا، أنه نال شرف خدمة بلاده تحت كنف أعمامه الملوك الذين أولوه الثقة المطلقة والمستحقة بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء، وأي إخلاص يضاهي إخلاص «الراحل» وهو يتحامل على نفسه وظروف مرضه الصعبة، ليقف في المحافل الدولية مدافعا عن مصالح بلاده، وضاربا لأصدق الأمثلة لأبنائه الدبلوماسيين في حب القيادة والوطن.

ومن بين المواقف المشرفة لبلادي التي تضمنتها الرسائل الإلكترونية، التي تم رفع السرية عنها لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، رد الأمير الراحل على تحذيرها من التدخل في البحرين، وأن ذلك قد يسبب أزمة سعودية – أمريكية، حيث جسد الأمير الراحل في هذا الموقف الموثق، المعنى الحقيقي لتراكم الخبرات التي تؤهل الدبلوماسي للرد بالأفعال، حين يظهر جليا ألا قيمة للتفاوض والحديث مع الطرف الآخر، وهو بحد ذاته يغني عن أي رد لفظي ربما لا يوصل الرسالة كما يجب أن تكون في مثل هذه المواقف الصعبة.

كان عراب الدبلوماسية السعودية ركنا أساسيا في صياغة توجهاتها وسياساتها الخارجية، وهو يذرع جيئة وذهابا، متنقلا بين أهم عواصم الكرة الأرضية في ظرف أيام معدودة دون كلالة أو ملل، يحمل ملفات القضايا الشائكة أينما حلت طائرته في خضم الأزمات المتوالية التي يخلقها الأعداء في المنطقة، بأدوار لوجستية من دول تجمعنا بها قواسم مشتركة، إلا أنها رهنت نفسها لخدمة أجندتها التدميرية، وأصبحت لا تدرك حجم الدمار الذي قد تسببه ليس للمنطقة فحسب، بل حتى لأنظمتها وشعوبها التي تنعم بالاستقرار، بفضل من الله، ثم بفضل دور السعودية المحوري في استتباب أمن المنطقة، لأنها تؤمن إيمانا راسخا بأنه كلٌ لا يتجزأ، وأن أي محاولة للعبث فيه هي بمثابة إعلان حرب لا مجال للسكوت عنه.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق