برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مجرد قراءة

تدفقات الثقافة والزمن السائل

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

كنت قد ختمت مقالتي الأسبوع الماضي، بالتساؤل عن مدى استقرار الثقافة التي أتيحت لنا مواردها من خلال الشبكة العالمية الإنترنت، والمزودة بمحركات بحث ضخمة توفر لنا المعلومة بـ«كبسة زر» فنحن –واقعا- نعيش مرحلة تدفق عالي الطاقة للمعلومات، وهو أمر متجاوز لمرحلة ندرة المعلومة التي كانت سمة عصر ما قبل الشبكة، وهذه الشبكة وإمكاناتها آخذة في التوسع حتى بدأت تستوعب وجودنا داخلها.

حتى منتصف العقد الأول من الألفية، لم يكن المحتوى على الشبكة بهذه الغزارة، وأذكر أننا كنا نضطر كطلاب -آنذاك- لـ«ثني الركبة» لساعات في ممرات مكتبة الجامعة بحثا عن مصادر لبحوثنا، وبالتالي، كجيل مخضرم عايش التجربتين، ما زلنا والأجيال السابقة لنا، نعيش ضمن «باراديغام» تشكل القناعات عبر التحصيل التراكمي البطيء للمعلومات، التي كانت بحكم الأمر التقني الواقع تصلنا ببطء.

هذا البطء ليس سلبيا كما يراد تصويره وخصوصا من قبل المنحازين لإيجابيات التدفق السريع والضخم للمعلومات، ذلك البطء كان يتيح للمتلقي متسعا من الوقت لهضم ما يصله من معلومات، وتحليلها وتداولها مع غيره، لأن المحيط كان يتلقى غالبا نفس المعلومات لمحدودية الطابع الانتشاري للمعلومات قبل الشبكة.

التداول والتحليل كانا عاملين مهمين في عملية تشكيل القناعات، على خلاف وضعنا في عصر التدفق المعلوماتي، إذ إن الشبكة تغمر المستخدم بمعلومات كثيفة وبشكل متواصل لا تمكنه من خلال هذا الإغراق من تحليل ما يصل إليه.

والنتيجة، تشكّل قناعات عابرة، لا تتشكّل إلا لتتبخّر لصالح قناعات تلتقط بسرعة أيضا من الشبكة ولا تختمر تداولا وتأملا، لا يعني هذا أن القناعات المتشكلة ببطء تستمر، فهي تتغيّر أيضا، فتاريخ الثقافة هو تاريخ تطوّر الأفكار وتبدلها، لكن ألا تكون هناك قناعات تستقر لفترة كافية ليبنى عليها، فهذا قد يؤدي إلى تعثر الاستفادة من المعلومات في البناء الثقافي.

هذا التدفق السريع وتطاير القناعات وعدم استقرارها، يعيدنا إلى ما أنتجه السيسيولوجي البولندي سيغموند باومان، الذي نحت مصطلحي الحداثة الصلبة والحداثة السائلة في مقابل الحداثة وما بعد الحداثة بالترتيب، ومنها انطلق في مشروعه لينظر للأزمنة السائلة، والخوف السائل، والحب السائل. فالسيولة -في نظر باومان- هي طبيعة حياتنا المعاصرة التي انخرطنا من خلالها في تغيير دائم ومتسارع، لم تعد معه بنى المجتمع القديمة قادرة على الحفاظ على أنماط السلوك والعادات المجتمعية.

في الزمن السائل، توفرت لدينا خيارات لا منتهية، وأصبح التغيير تغييرا من أجل التغيير، وليس من أجل التكامل وصولا إلى وضع أرقى كما كان اشتغال البنى في المجتمع الصلب.

وفي هذا السياق، وفرت الشبكة ومحركات البحث الضخمة، تلك الخيارات اللا منتهية، واضعة الجميع أمام واقع ربما يتجاوز السيولة التي تحدث عنها «باومان» نحو «حداثة متبخرة» لا تنتج أفكارا إلا لتتلاشى ويتشكل غيرها، دون تراكم بناء.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق