برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

ذاكرة الوجع

ذات مساء, “توسطت” أمي و خالتي, مددت ساقي المتعبتين بعد نهار عملٍ طويل, تتأمل خالتي بطني المنتفخة و ملامح وجهي الذابل و ترحل إلى البعيد, تزفر: وي, كأنكِ هيَ.

 هكذا تتذكر تفاصيلها الأخيرة, حُبلى بطفلها الثالث, تنظر لي أمي بعين جديدة كلياً, فقبل الساعة لم ترَ بي غير صغيرتها, أما الآن فذكرى حية لأعز الراحلين.

غابتا في السرد معاً, اليوم الأخير, الليلة الأخيرة, الساعة المشؤومة التي استقبلتا بها الخبر, لم تدعا صغيرةً و لا كبيرةً إلا و ذكرتاها, كيف لا وهي أختهما الغالية التي غادرت قبل أكثر من خمسة عقود.

 أتراه غريباً أن تعجز الخمسون عاماً الأخيرة المشبعة بالأحداث و التفاصيل أن تُبهت تلك الذكرى, أم أن مايلفها من حزن جعل منها عصيةً على النسيان! في حقيقة الأمر نحن جميعاً مجبولون جينياً على التشبث بأحزاننا, نحتفظ بذاكرة الألم, الخوف, الخيبة و كل تشعبات تجاربنا السلبية أكثر بكثير مما نحتفظ بذكرياتنا الإيجابية الجميلة, فمنذ رجل الغاب المحاط بالمهالك و ذاكرة الإنسان أكثر انتباهاً و يقظة لمواطن الخطر.

 لله الفضل و المنة أن الحفاظ على بقاء الجنس البشري اليوم ليس معتمداً على قوة ذكرياتنا السلبية, و لكننا للأسف لا نزال نقضي أعمارنا مثقلين بها, بل الأدهى و الأمر أننا أحياناً نجتر تجارب لم نعشها شخصياً فنتوارث على سبيل المثال سحائب داكنة من الكراهية, الغضب و الرغبة في الانتقام.

لا يخفى على أحد كيف يمكن لحمل مثل تلك المشاعر أن ينهك صحتنا الجسدية و النفسية, لذا يتوجب علينا أن نتعامل معها بوعي, أن نحتفظ بالذكرى و في ذات الوقت نفرغها من المشاعر السلبية المرتبطة بها, نتعامل مع المواقف الصعبة في حينها لكن نتحرر منها بعد مغادرتها, نحافظ على قلوبنا تفاعلية حية نقية و ليست داراً لغلٍ أو حسد.

رأي : سلمى بوخمسين

s.bukhamseen@saudiopinion.org

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق