برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رشحة من مداد

شمس الأصيل الفرنسية

نعرف فرنسا دولة متقدمة تقنيا وحضاريا، يمتد تأثيرها الفكريّ والعلميّ والحضاريّ في عددٍ كبيرٍ من دول العالم، كما أنّ كثيرا منا يعرفون الأدب الفرنسي وأهمّ أعلامه، وحتى في مستوى الغذاء لا نزال نعجب بالمنتجات الفرنسية، والوصفات الفرنسية اللذيذة، فلهذا الفضاءُ الثقافيّ الفرنسيّ عشاقُه ومحبّوه، وليس المقصودُ هنا الفرانكفونيين ممن يتعصّبون لكل ما هو فرنسيّ تعصبا غير موضوعيّ.

وفي مواجهة ذلك يرى المراقبُ للشأن الفرنسيّ اليوم من داخلِه صورا متعاكسة وخطوطا متقاطعة وتناقضاتٍ تدلّ على إشكالٍ فكريٍّ في التفكير والتصوّر العامّ، مع أن فرنسا تقدم نفسها دولة راعية للثقافة والتسامح والحوار مستندة في ذلك إلى علمانيتها وإلى ثورتها الشهيرة سنة 1789 م، التي أسست لحقوقٍ كثيرة في الفضاء القانوني والثقافي والسياسي الأوروبي، وصارت منعطفا تاريخيا، ولكنها مع ذلك ما زالت تخرج بمفاجآتٍ مزعجةٍ ومربكةٍ في الفضاء الثقافي، يراها المراقبُ من خلالِ الرسائلِ التي تصدرُها فرنسا إلى العالم، حتى صارت فرنسا لدى كثيرٍ من الباحثين محطة دائمة ومرصدا لمشاعر الإسلاموفوبيا والخوفِ من الإسلام وثقافة الآخر.

وفرنسا من جانب آخر تؤمنُ بالعلمانية أو اللائكيّة، بل هي واضعةُ أهم دساتيرِها وأسُسِها سنة 1905 م، ولكنها في الوقت نفسه تكره كثرةَ المساجد والتزام الناس بتعاليم دينِهم، ومع ذلك تؤمن فرنسا بأن الدين شأنٌ شخصيٌّ وفرديّ لا علاقة له بالحقوق ولا بالدولة ونظمِها، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكن الإعلامَ الفرنسيّ معتمدا على تصريحاتٍ سياسيةٍ فرنسيةٍ يغضب من زيادة عدد الفرنسيين المسلمين.

وتقولُ فرنسا أيضا: إن الرّموز الدينية داخل المجتمع تؤثّر على علمانيةِ المجتمع، فمنعت النقابَ ومنعت امرأة مسلمة محجبة من الحديث داخل البرلمان قبل أيامٍ، لأنها محجبة، فالحجابُ معدودٌ في الرّموز الدينيةِ، ولكنها في الوقت نفسه تسمح لرموزٍ أخرى لليهودية والمسيحية كالصليب و«الكيباه» داخل البرلمان الفرنسي وخارجه، وهي رموزٌ دينية أيضا.

وتقول فرنسا ومعها كثير من الدول الأوربية والخبراء: إن الاندماج هو خير وسيلة للسلم في المجتمع، وإن الجاليات المسلمة والوافدة لا بد أن تندمج في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تجمع المهاجرين وأكثرهم مسلمون في أحياء فقيرة وشبه معزولة في ضواحي عاصمة النور باريس، فكيف يكون هذا؟ ومرة أخرى تقول فرنسا الحديثة أيضا بحريّة الكلمة وحرّية التعبير وتحت هذا الشعارِ تمّ تعليلُ وتسويغُ الرسوم الكرتونية المسيئة لنبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- ولكن هناك في الوقت نفسِه قانونا يمنع التقليل من شأن الهولوكوست الألمانية وجريمتهم ضد اليهود وهي جريمة حقا، وربما يتعرّض المرء لمحاكمةٍ أو انتقادٍ رسمي على الأقل إن خرج منها برأي يخالف السائد.

وتتبرأ فرنسا الحديثة من منطق المؤامرة الذي يقول به بعض المسلمين، ويلُومونهم لأنهم يظنون أن هناك خطة كبيرة في الغرب كلّه وجيوشه لتدمير الإسلام كلّه، وهي تنتقد هذا النوع من التفكير كما ننتقدُه نحن أيضا، ولكنك ترى الفرنسيين أو إعلامهم يقول أحيانا إن المسلمين يجتاحُون أوروبا في مؤامرةٍ خطيرةٍ ومنسقةٍ بإحكام، لتنفيذ خطة الإحلال الكبير، فهذا هو عينُه منطقُ المؤامرة، ولكنه من الجانب الآخر.

وأخيرا تؤمنُ فرنسا بحقوقِ الإنسان، بل إن الثّورة الفرنسية معلمٌ لا يمكن تجاوزُه حول الحقوق والتأسيس للديمقراطية الغربية، ولكنها في الوقت نفسه تدعمُ العلمانية الشّرسة داخل بلاد المسلمين، خاصة في شمالِ إفريقيا.

وفي تصوّري أن المنطق الصحيح لما يجري هو أن تكون فرنسا أحرص الدول على مجالها الثقافي وامتدادها المعرفي، خاصة أن ماضيها مع العالم العربي والإسلامي ماضٍ استعماريّ له مآسٍ عديدة، وانكسارات مؤلمة، وكلما استمرت فرنسا في هذا التناقض والارتباك نحو الإسلام والثقافة الإسلامية زاد استحضار هذا الماضي لدى العرب والمسلمين، وهنا تطغى صورة فرنسا الاستعمارية على فرنسا الحضارية، ليستدعي العرب والجيل الجديد التاريخ المؤلم.

وآخرُ المفاجآت الفرنسية تصريحُ الرئيس الفرنسيّ الأخير الذي قال فيه إن الإسلام يمرّ بأزمة تستدعي تجديدَه، وهذا الخطاب يحلّله بعض المراقبين على أنه إثارة غبارٍ لتعميةِ الفرنسيين عن المشاكل الداخليّة لدى الدولة نفسها، وهنا تبرز عدة أسئلةٍ تترى يأخذ بعضها برقاب بعضٍ: كيف وصل الرئيسُ الفرنسيّ إلى هذه القناعة؟ وهل لديه من العلم بالإسلام وفكرِه ما يمنحه اليقين ليقول هذا القول؟ وما قاله في تصريحِه قولٌ يتردد كبار علماء المسلمين ومفكرُوهم أنفسِهم من إطلاقه عاما بهذه الصورة؟ وما الذي يفهمُه هو منه؟ حتى نقبل رأيه، وهل الإسلام الحقيقي هو ما يفهمه فخامةُ الرئيس؟

وكل مسلم في العالم يدين كل قتلٍ لكل بريء لأن القانون في كل بلدٍ لا بد أن يحكم الجميع، ولأنه لم يعد الدخول إلى قلب العالم ومراكزِه معتمدا على السّلاح والحروب كما كان من قبل، بل صار الامتداد التقنيّ والثقافيّ والصناعيّ الاقتصاديّ من أكثر وسائل التمدّد والسيطرة، وما الصين إلا مثالٌ ساطعُ على ذلك، وهي لم توقد نار حربٍ ضد دولةٍ أخرى.

ويشهد العالم تغيرا آخر اليوم وهو الميل المتكرّر لدعم الحقوق والسلم المدني والعلاقات السلمية، وهذا هو الطريق الذي تسير إليه بريطانيا بحكمتها السياسية وألمانيا بتجربتها التاريخية وتتبعهما أمريكا مترنحة قليلا، مع امتدادها الثقافي وسطوة العولمة الثقافية، وسوف ينحسر قلب العالم الثالث ومشاعره نحو هذا التوجه وأصحابه، وحينئذٍ ستجد فرنسا نفسها وحيدة تعيش على الذكريات.

فهل تستطيع فرنسا أن تتخلى فرنسا عن هذه الازدواجية والتناقض الفكري لتعرف طريقها الصحيح نحو الاعتدال والتسامح الذي تقول كل يومٍ بلا مللٍ إنها تدعمه، وتتخلى عن الحساسية المفرطة الانفعالية تجاه الإسلام، والتي نراها هناك أيضا كل يومٍ؟.

أحمد الدبيان

أحمد بن محمدِ الدبيان، مدير عام المركز الثقافي الإسلامي في لندن، رئيس تحرير مجلة Islamic Quarterly الصادرة باللغة الإنجليزية، عضو مجلس الخبراء الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة الإيسيسكو. دكتوراه من جامعة بوخوم بألمانيا في فقه اللغة والدراسات الإسلامية والدراسات الإنجليزية. أكاديمي ومؤلف وكاتب صحفي، له عدد من الدراسات اللغوية حول اللغة العربية وحركة الترجمة بين الإغريقية والعربية واللغويات التقابلية، وعدد من البحوث العلمية والفكرية والإسلامية حول تاريخ الإسلام والعلاقة مع الغرب، مهتم بالخطاب الاسلامي وقضايا الحوار بين أتباع الأديان والتعايش وتطوير المؤسسات الإسلامية في مجتمع الجاليات والأقليات في الغرب، كما قدم عدداً من المحاضرات والأوراق العلمية في الجامعات والمراكز والمؤتمرات الدولية.

‫6 تعليقات

  1. المقال جسد وبوضوح ازمة التناقض بطرح موضوعي متوازن. الازدواجية الفكرية والتناقض في الفكر الفرنسي غير مبرر.

  2. عين الصواب..تتحدث عن فرنسا دون ان تقارنها ببريطانيا التي تعيش فيها ولعلك احسن فعلا فلا مجال للمقارنة. فرنسا مريضة . تلك قناعة كبار مثقفيها. ومرضها مزمن لانها لم تستطع حماية التنوع الثقافي والديني لمواطنيها..

  3. اليس غريبا منك أن تطرح هذه الاطروحة في هذا الوقت الراهن في الوقت الذي فيه جموع مسلمي العالم يقفون صفا واحدا ضد فرنسا ورئيسها وتاتي تتشدق بهذا … يالحمرة الخجل

  4. من الواضح ان تفكير المسلم وخاصة الي الشخص الكاتب هذا المقال لم يتغير وان الكاتب يعيد ما يعرفه كل مسلم علي مدار التاريخ من الافضل ان نفكر في كيف نغير انفسنا وتنقيه صفوف المسلمين ان من راي ان نصلح انفسنا من قبل ان نطلب من الاخرين ان يغيروا فكرهم عن المسلم لا تترك الاخرين يحكمون علي الاسلام بما يرتدي او كيف شكل المسلم الحضارات والثقافات ما زالت تحترم ما هو كل قديم وحديث في الشكل والفكر علي مر الدهر .

  5. لا أرى أية تناقضات في الثقافة الفرنسية القائمة على المبادئ المتعصبة للثوابت العنصرية والمنطلقات العقائدية منذ الحروب الصليبية التي شاركت فيها فرنسا بشراسة ووحشية تفوق بقية حلفائها وحتى بعد أدبيات الثورة الفرنسية والتي نادت بالعدل والمساواة وأسقطت الملكية وعصور الإقطاعيين قامت مفرزات تلك الثورة الفرنسية بشن حروب إستعمارية وكانت لها بورصات لبيع الرقيق ومارست أبشع الجرائم ضد الإنسانية في بلاد المغرب العربي وغزت الجزيرة العربية عن طريق ميناء ينبع وتوغل الفرنسيون نحو المدينة المنورة وسفكوا دماء المسلمين بوحشية وعاثوا فساداً وقتلاً في المسجد النبوي فتباً لفرنسا والمنافحين عنها

  6. الحديث عن فرنسا و تاريخ فرنسا و تطورات فرنسا … إلخ فرنسا لم تقدم اي شيء غير القتل الوحشي، الفساد، العنصريه، محاربة حقوق الانسان و سرقة افريقيا منذ التاريخ الصليبي الى الان فرنسا بلد و تاريخ ملوث و مسموم. لكن هذا المقال فيه شيء من التقرب و التحبب لفرنسا و إظهار تاريخ عريق لفرنسا من ثقافات و غيرها!!! فرنسا الكاهن الديني قتل كثيرا من أطفال المسلمين و مجدّوه الى الان بتاريخ سانتا كلوز هذه احد الشخصيات الممجدة في تاريخ فرنسا و حقيقتها و واقعها الأساسي مؤلم و لكن الجهل في الثقافة الداخلية و القديمه للصليبيين و النظر الثقافي السطحي شي خطير لجيلٍنا و اجيال قادمه. طلبوا العون من العثمانين و عاونوا رئيسهم آنذاك أنقذوه و حرروه و لازالوا يحاربون الاسلام الى الان فرنسا بلد تعرف كيف تستغل و تسلب و تتناسى. فرنسا القلب الأسود.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق