برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

حضر «تويتر» فغاب صدر المجلس

استمعت إلى سيدة تشكو مرة من أن الجيل الناشئ يفتقد للأدب واللياقة في التعامل مع الذين يكبرونه سنا، مستشهدة على ذلك باعتياد أبناء أخوتها وأخواتها على مخاطبتها باسمها الأول بدلا من «خالة» و«عمة» كما هو مألوف في أوساطنا الاجتماعية.

وكان رأيي أن هذا التحوّل في صيغ المخاطبة لا يشير إلى قلة الاحترام كما اعتقدت هذه السيدة، فتلك الصيغ التي اعتدناها، كانت تعكس محورية «العم / العمة، الخال / الخالة» في حياتنا الاجتماعية التي كانت تنتظم بتحديد واضح لمواقع القوة وأدوار الفاعلين، فـ«تحديد الصفة» يحدد مواضع القوة، فأن يخاطب أحدهم بوصفه عما أو خالا، يضمر تفوقه سلطويا، وحتى هيمنته في هذه العلاقة داخل فضاء العائلة.

يبدو لي أن هذا التغير يعكس التحوّل في مواضع القوة تلك، عند هذا الجيل الذي نشأ في الفضاءات الافتراضية، بعيدا عن المجالس الواقعية التي كانت تفرض منطقها على ما ينشأ فيها، فالمجلس له منطقه، وقوانينه، وآدابه، التي تعزز أشكال الهيمنة الاجتماعية وتحدد مواضع القوة، فهناك حق الابتداء بالكلام، أو حتى الكلام من الأساس، ومن يحق له الرد، وكيف يرد، بل ومن يحتل «صدر المجلس» بكل مزاياه وصلاحياته.

من ينشأ في مجالس كهذه، يتطبع بقوانينها، ويلتزم باحترام المسافات مع من يتموضع في موضع هيمنة، بحكم عامل السن، أو المكانة الاجتماعية، وغيرها من مصادر رأس المال الرمزي.

وعلى الجانب الآخر، من ينشأ متفاعلا مع المجتمع عبر «تويتر» على سبيل المثال، الذي تشير الإحصائيات إلى أن عدد مستخدميه في السعودية يصل إلى ما بين 14 و18 مليون مستخدم، فإنه ينشأ متطبعا بمنطق تويتر.

فتويتر وغيره من الأدوات، ليس آلة صماء محايدة، بل تفعل مفاعيلها بالمستخدم وتؤطر طريقة تفاعله مع الآخرين من خلالها، ويعد غياب التراتبية والهرمية من أهم سمات تويتر التقنية، فالمتفاعلون من خلال تويتر يجدونه فضاء مسطحا، ولا توجد به تراتبية، بل يغيب فيه «صدر المجلس» لا اعتبار في تويتر للعمر، ولا كل مظاهر رأس المال الرمزي من وجاهة ومال وحتى علم، الحق في الابتداء بالكلام والرد والأسلوب بل والحظر والحذف كله مكفول «تويتريا».

وعندما يتفاعل الشاب أو الشابة مع الآخرين عبر تويتر، أكثر من انتظامه في مجالس واقعية ضمن سياق العائلة أو الأصدقاء الذين يكبرونه عمرا ولا يزالون يقومون بسدانة الآداب المتوارثة والمعززة لمواضع القوة، فإنه يسحب منطق تويتر إلى حياته الواقعية، متجاوزا اعتبارات صدر المجلس وما يرتكز عليه من منطق تم التوافق مسبقا على تغطيته تحت مسمى «علوم المرجلة» وبالتالي، تختفي مظاهر احترام المسافات، وتغيب المخاطبة بصفة القربى كالعم والخالة، ويحضر الاسم الأول فقط.

المهم في تصوري أن المخاطبة بهذا الأسلوب ليست تمردا بالضرورة، بل ممارسة عفوية من جيل تشكل وعيه ضمن منطق مختلف حتّمته الآلة التي اخترعناها، لتعيد اختراع سلوكياتنا.

هكذا فهمت سلوك هؤلاء الناشئين ولا حكم بعد المداولة.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق