برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

الكثير من أمر جيد

قبل شهر وعندما كنت أقضي أيام إجازتي السنوية المنزلية، قررت أن أعوض طفلتي عن ساعات العمل الطويلة التي أقضيها بعيدا عنها، فأصبحت أقضي معها كل النهار في اللعب والتدليل والحب، بعد أسبوع على ذات النمط لاحظت تغييرا جذريا في طباع الصغيرة، فقد أصبحت تبكي أكثر، تصرخ عاليا للحصول على ما تريد بل ويتعكر مزاجها سريعا جدا وفور غيابي عن ناظريها.

بعد تأمل بسيط أدركت أن الصغيرة تعاني من فرط الحب وجرعة زائدة من الدلال.

يقول عالم السموم ثيوفراست باراسيلسوس «يوجد سم في كل شيء، كل شيء يعتمد على الجرعة» هذه المقولة وإن بدت أنها تتحدث عن المواد الكيميائية والأدوية، فهي في الحقيقة قابلة للتطبيق على مختلف الأمور، فلكل شيء نسبة ذهبية متزنة إن اختلت قد تؤدي إلى نتائج كارثية شنيعة، وبالطبع ليست الأمور الجيدة أو الصحية مستثناة من القاعدة.

فالنظافة الشديدة مثلا تقلل المناعة وفرط الدلال، كما حدث مع صغيرتي، فينشأ أبناء اتكاليون لا يتحملون المسؤولية، بل ربما عاقون وسيئو الخلق، والإكثار من تناول الفواكه يسبب الحساسيات ويربك الجهاز الهضمي وهكذا.

في اللغة الإنجليزية تضاف اللاحقة «هولك» على نهاية الأفعال، دلالة على ممارسة إدمانية غير صحية، فيقال مثلا «وركهولك» دلالة على مدمني العمل الذين لم يعد لديهم وقت للاستمتاع بالحياة وملذاتها، ويقال «شوبهولك» لمدمني التسوق، لكن يتم غالبا إغفال المشاعر والعلاقات والتعاملات من حسابات النسبة الذهبية.

فنجهل مثلا أننا من الممكن أن نكون كرماء أكثر من اللازم، معطاءين أكثر من اللازم، نحب بشدة ونتعلق ونذوب تماما في الطرف الآخر حتى تضيع كينونتنا وهويتنا ويرتفع حس التعلق والتملك والسيطرة، قد تسمع عند الخلافات الزوجية عبارة مفصلية «لقد قدمت له / لها كل شيء» في ظن المتحدث أنه لم يقصر لكنه يجهل أنه قدم أكثر مما ينبغي، جرعة زائدة سامة، خنقت العلاقة وأثقلتها حتى صرعتها.

ختاما، يقول جبران خليل جبران واصفا النسبة الذهبية في نصه الخالد «النبي»: فليكن بين وجودكم معا فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض حتى ترقص أرياح السماوات فيما بينكم أحبوا بعضكم بعضا ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود بل لتكن المحبة بحرا متموجا بين شواطئ نفوسكم، ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه ولكن لا تشربوا من كأس واحدة، أعطوا من خبزكم كل واحد لرفيقه، ولكن لا تأكلوا من الرغيف الواحد، غنوا ارقصوا معا وكونوا فرحين أبدا، ولكن فليكن كل منكم على حدة.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق