برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أجراس

ملامح الإنسان الأحسائي

عدت من جامعة الملك سعود أحمل أوراق دراستي، لتستقبلني جامعة الملك فيصل بالأحساء، دخلت وحيدة أتفقد الوجوه، لا أعرف أحدا في هذا المبنى، ظنّ البعض أني لست أحسائية، أكلني الصمت في المحاضرات، أجلس بين طالبات يصغرنّني سنا، أسأل نفسي: هل سأبقى وحيدة؟ بنهاية الفصل الأول تشكلت حولي هالة واسعة من الزميلات، فتحت عيني لأول مرة على مختلف شرائح وطبقات المجتمع الأحسائي، وهذه ميزة الحرم الجامعي باحتوائه مجالا جغرافيا أوسع يسمح بضم الطلبة من خلفيات متنوعة في المنطقة الجغرافية، النسب، المعتقد، المستوى المعيشي.

هنا تتفق الهوية المناطقية وتختلف بقية الأشياء، فكيف ظهرت طبيعة الإنسان الأحسائي؟ التسامح ولين الجانب، فبرغم التفاوت في منسوبه لدى الأحسائيين إلا أنه شديد الوضوح، ويظهر جليا في مواقف التغاضي والعفو التي تبلغ في بعض الأحيان حد السكوت عن المطالبة بالحق، ما قد يشجع الآخر على استمرار التطاول، فتلقى تبريرات مُبالغة في التفاني والعطاء مثل «سو خير وقطه بحر» فقد نتفق معها وقد نختلف، إنما في حقيقتها دالة على روح التسامح واللين التي تمتلئ بها عروق الأحسائيين.

صدق العاطفة والميل للسلام، هي طبيعة الإنسان المجاور للنخيل والماء والخضرة، فتجد روح الشعر والأدب تفيض منه كما تفيض العيون بالمياه الجوفية، ما يُشعر المُقيم بالدفء والأمان، وهذا باعتراف من بعض المقيمين بالأحساء، كأساتذتنا الجامعيين العرب، كما أتذكر في المدرسة الثانوية قول معلمة الكيمياء «غير الأحسائية»: لم أجد أطيّب من أهل الأحساء.

أما ميدان الثقافة والفكر، فيتطور فيه الإنسان وتتسع آفاقه وتظل طبيعته توجه مساراته، وهنا أيضا نستطيع ملاحظة حركة المثقف الأحسائي وأسلوب تفاعله مع القضايا المستجدة والطارئة، ففي حالات كثيرة يظهر النقد والاختلاف موازيا للتسالم والتصالح والاندماج واحترام الآخر وعدم الاحتراب، في الغالب.

واقعا، كلما تراكمت التجارب نكتشف أن الأحساء ليست مولد الملائكة، ولكن بين السائد والمتنحي يسود فيها حسن الخلق ولين الطباع ولباقة المعاملة وتأدب المجاملة وقوة العلم والوعي بالممارسة، والصدق أننا لم نختر مسقط رؤوسنا -في كل الأحوال- ولكن حريّ بنا أن نسعد ونفخر بأمنا الأحساء.

يقول الشاعر الأحسائي أحمد اللويم: يا خيمةَ التاريخِ فاضَ بِكِ السنى وتسرَّبَتْ من سِرِّكِ الأضواءُ قد قيلَ «طرفةُ» قلتُ بعضُ يراعةٍ، فلدى الدواةِ من اليراعةِ «ياءُ» لا تَرْقُبُوا «أَلِفا» ولا «عَيْنا» إِذا لم تُفْشِ سِرّا لِلدَّواةِ «الرَّاءُ» ولرُبَّما انْحَسَرَ الزَّمانُ ولم يَزَلْ في الغَيْبِ ما تَطْوِي عَلَيْهِ «التَّاءُ».

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق