برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أ ب ت

سلاح المقاطعة الاقتصادية!

« أ »

قضية الرسوم المسيئة أطلت بوجهها علينا للمرة الأولى منذ 15 عاما من الآن، حين أقدمت صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية على نشرها في 30 سبتمبر 2005.

وللأسف رغم قباحة الفعل، إلا أنه أصبح مثالا يحتذى به فيما يسمى بحرية التعبير، ولكنه في الحقيقة يدخل في إطار إساءة الأدب للمقدسات والثوابت الدينية التي كفلها القانون الدولي.

ورغم الهبّة الشعبية داخل مختلف الشعوب الإسلامية بشتى بقاع الأرض، إلا أن عددا من الصحف الأوروبية سارت على نهج الصحيفة الدانماركية آنذاك.

فراحت صحف مثل «Magazinet» النرويجية، و«دي فيلت» الألمانية، و«France Soir» الفرنسية، و«تشارلي إيبدو» الفرنسية، تسير على ذات الدرب بإعادة نشر تلك الرسوم المسيئة.

وللأسف على الرغم من توقف العديد من هذه الصحف عن نشر الرسوم، إلا أن واحدة من بينها أصرت وما زالت مصرة على ذلك، رغم كل ما أريق من دماء بسبب فعلتها، إنها صحيفة «تشارلي إيبدو» الفرنسية متذرعة بحرية الرأي المزعومة التي كفلها الدستور الفرنسي.

ولأن العند يورث الكفر، أقدم مجهولون بحرق مقرها في العام 2011، ولأن الصحيفة لم تتوقف، شهد العام 2015 حادثة مأساوية أخرى، بعد هجوم على مقرها راح ضحيته 12 صحفيا وعاملا.

في شهر سبتمبر 2020 وتزامنا مع محاكمة المتهمين، أصرت الصحيفة على إشعال الشرارة من جديد بإعادة نشر الرسوم المسيئة ونكء الجراح.

واندلعت موجة غضب من جديد، وسرعان ما خمدت، وكأنه لم يتم الاكتفاء بما حدث في سبتمبر، ليقوم معلم فرنسي يدعى صمويل باتي، بطبع الرسوم وتوزيعها على تلاميذه في أكتوبر 2020.

سرعان ما ارتفع لهيب الغضب الإسلامي الشعبي من جديد، حتى تطور الأمر إلى قيام شاب بالغ من العمر 18 عاما، شيشاني الجنسية بقتل المعلم، ثم ترديه الشرطة قتيلا بعد فعلته.

تحول المعلم القتيل إلى «شهيد» لما يسمى بحرية الرأي في فرنسا، وتبعته تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي أصدر عددا من الرسائل السلبية تجاه الإسلام.

« ب »

كان أبرز ما تحدث عنه الرئيس الفرنسي في كلمته لتأبين المعلم القتيل، هو التأكيد على حرية الرأي.

الغريب أن نص المادة 11 من إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الذي صدر بعد الثورة الفرنسية سنة 1789، والذي يعد أول ميثاق على مستوى العالم يتحدث في هذا الشأن، يناقض ما قاله «الرئيس».

تقول المادة «التداول الحر للأفكار والآراء هو أحد حقوق الإنسان الهامة، فيجوز لكل مواطن أن يتكلم ويطبع بصورة حرة، مع مسؤوليته عن سوء استعمال هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون»

تُرى هل لفت انتباه ماكرون وانتباه مجلس إدارة «تشارلي إيبدو» الفقرة الخاصة بسوء استعمال الحرية؟

وهل يا تُرى لفتت انتباههم كل النصوص والمواثيق والمعاهدات في القانون الدولي والأمم المتحدة واليونيسكو والتي تعد فرنسا جزءا منها، حيث تؤكد على حرية التعبير عن الرأي دونما المساس بحريات ومعتقدات الآخرين، التي يطول ذكر أمثلتها؟

« ت »

أخطأ ماكرون وقبله أخطأت صحيفة «تشارلي إيبدو» وأيضا أخطأنا نحن كعرب ومسلمين في التعامل مع تلك القضية.

يحثنا القرآن الكريم في التعامل بالمثل، فالفكر لا يجابه بالقوة الجسدية أو الاقتصادية بل بالفكر أيضا.

كان من الأولى أن تلجأ مؤسساتنا الحقوقية للقانون الدولي، وحتى الفرنسي نفسه الذي أكد على عدم المساس بالمقدسات، بدلا من الغضب الشعبي المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي تطالب بمقاطعة المنتجات، التي لا جدوى منها غير الإضرار بالتاجر المسلم أو العربي الذي يتعامل مع تلك الدولة على المدى القصير والطويل.

نعم، السلاح الاقتصادي أصبح معمولا به منذ القرن العشرين كنوع جديد من الحروب التي تدخل تحت مسمى حروب الجيل الرابع، وصحيح أن التحليلات الاقتصادية تؤكد أن بعض المنتجات الفرنسية تعاني خلال الفترة القليلة الماضية من ركود في حركة البيع، على مستوى منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن الأرقام تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين فرنسا والدول العربية قُدر بنحو 65 مليار دولار، بينما بلغ حجم الصادرات الفرنسية إلى الدول العربية عام 2018 نحو 563 مليار دولار، ولكن تبعات تلك المقاطعة لن يكون ضحيتها الاقتصاد الفرنسي فلديه القدرة على تجاوزها، بل سيمتد أثرها الأكبر على البلدان الإسلامية خاصة تلك المصانع والمؤسسات والمواقع التجارية، التي يتواجد فيها المستورد المسلم والبائع والموظف.

نحن بحاجة إلى نظرة لا تكرس لدى الآخر العنف الإسلامي، مهما كان: فكريا، جسديا، اقتصاديا، بل علينا الدفاع عن مقدساتنا وأعلامنا، بنشر سماحة الإسلام وصفات من اختاره الله –تعالى- ليكون آخر رسله بمنهجية تتناسب لغة وفكر تلك الثقافات، وقبل ذلك اللجوء للنظام والقانون في حال أي اعتداء، هنا ستكمن حضارتنا وسماحة ديننا.

أحمد هاشم

أحمد بن حسين هاشم الشريف, دراسات عليا من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة , كاتب وإعلامي متمرس, مارس العمل الصحافي منذ 20 عاماً ولا يزال حيث كانت البداية في مؤسسة المدينة للصحافة والنشر , مؤسسة عكاظ واليوم للصحافة وعدد من الصحف الخليجية , عضو في الثقافة والفنون بجدة و عدد من الجمعيات العلمية كالجمعية السعودية للإدارة , الاعلام والاتصال ,الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية والجمعية العلمية للموهبة والابداع والجمعية السعودية للتنمية المهنية في التعليم والمجلس السعودي للجودة . عام 1429 هـ أسس أول جمعية خيرية في المملكة تنموية تحت اشراف وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك باسم جمعية الأيادي الحرفية الخيرية بمنطقة مكة المكرمة والتي عنيت بتدريب ذوي وذوات الدخل المحدود والمعدوم على الحرف السوقية وتوفير مشاريع خاصة لهم , وكان رئيسها الفخري صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد وزير الدفاع . شارك في تقييم الخطة الاستراتيجية العامة لمدينة جدة بتكليف من أمين أمانة محافظة جدة عام 2009 م ( مجال العمل الاجتماعي ) , وبرنامج التحول الوطني في الرياض عام 1437هـ , له تحت الاصدار كتاب مقالات سيئة السمعة.

‫2 تعليقات

  1. مقال ممتع ولكن لا أظن أن القانون الدولي سوف ينصف المسلمين في مثل هذه الحالة

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق