برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

مجتمع ما بعد الفزعة

شكّلت الفزعة معطى اجتماعيا هاما في بناء الروابط الودّية وتعزيز التضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ومن يتذكر الأحياء الشعبية وبساطة التفاعل بين الأصدقاء والجيران، سيتذكر كيف كانت الفزعة حاضرة دون تكلّف.

حضورها كان عفويا بحكم حاجة الجميع إلى الجميع، ما جعلها شرطا غير معلن في عضوية الحي أو القرية، فمن يتخاذل عن الفزعة عند طلبها منه، قد لا يجد من يفزع له في حال حاجته، إنها ببساطة تبادل منافع في نظام تكافلي مبسّط.

لكن تبادل المنافع هذا، يخلق ذاكرة جمعية للمتفازعين، وخاصة في مناسباتهم الجماعية، أفراحا وأتراحا، فمثلا، ربما لا تزال بعض القرى الصغيرة تمارس الطبخ بيد شبابها عندما يحتفل أحدهم بزواجه، هذه الذاكرة والتكاتف، يضفي على العلاقات بعدا إنسانيا وديّا، وإن كانت ترتكز على منافع متبادلة.

لكن نزوح الكثيرين نحو المدن الكبرى التي تتوفر فيها أنشطة اقتصادية توفّر وظائف لهم، أسهم في تشكّل أحياء جديدة، لا يرتبط ساكنوها عادة مع بعضهم بمثل تلك الذاكرة الجمعية، ابتعد الناس عن أقاربهم وجيرانهم الذين توارثوا في زمن مضى الجيرة بحكم توارث بيت العائلة الكبير، ومع نمط الحياة وفرص الوظيفة والتنقل من مدينة لأخرى، أصبح تغيّر الجيران أسرع من أي وقت مضى.

وحين تتحول الأحياء بتصاميمها الحديثة، وسرعة الواصلين والمغادرين منها، إلى فضاءات عبور، لا تتشكل الظروف المواتية لصمود الفزعة، ولأن المجتمع عادة ما يقوم بالتلاؤم مع المتغيرات، فقد قدّمت طفرة التطبيقات الإلكترونية على الهواتف الذكية، فرصة لوجود بدائل تلبي حاجيات ساكني المدن الكبرى والأحياء الحديثة دون الحاجة للفزعة التقليدية.

وهذه التطبيقات، وإن كانت قد نشأت لتلبي حاجيات الفرد المنخرط في حياة المدن الكبرى، إلا أن سوقها توسعت لتشمل مجتمعات المدن الصغيرة والقرى، ناقلة بذلك مفهومها القائم على أساس أنها وسائط لتقديم خدمات مدفوعة الثمن، إلى فضاءات كانت الفزعة من أصولها القارّة، تحوّلت هذه الخدمات مدفوعة الثمن اليوم، إلى عرفٍ جديد ومقبول إلى حد ما، في تغيّر ملموس، وكمثال واضح على مقدرة منتجات المجتمع الافتراضي على تعويض تقلّص المجتمع الواقعي ومنتجاته، وخلق قواعد جديدة.

إلى أي حد، سيسهم تلاشي الفزعة وما تحمله من ودٍّ إنساني وقيم تضامن، وما تخلقه من ذاكرة جمعية تعزز الترابط وتمنح المعنى للعلاقات الإنسانية كالصداقة والجيرة؟

بحذرٍ شديد من الوقوع في فخ التنبؤات، التي عادة ما نفشل في تحقيقها بسبب تعقّد المجال الاجتماعي، يمكن القول إن التوقعات من الصديق والجار قد تتغيّر، فالصديق مثلا، وإن سقطت عنه وظيفة الفزعة بدخول التطبيقات الذكية إلى حياتنا وتجذرّها التدريجي في أعرافنا، إلا أن الصداقة قد تتركّز في البعد الإنساني والوجداني دون توقعات منفعة متعلقة بالخدمات الحياتية التقليدية، فربما، وهذا افتراض مشحون بالتفاؤل والإيجابية، ربما تنتقل الصداقة إلى بعد معنوي بعيد عن تبادل المنافع ضمن نظام الفزعة.

فالمنفعة المتحصلة من الفزعة قد تحيد في ظل وجود التطبيقات، ما يدفعنا لاختيار أصدقاء قريبين من أنفسنا، نتوقع منهم المشاركة الوجدانية وتسكين غربة ذواتنا وإعطاء معنى جديد للتواصل الإنساني.

أختم بهذا الاحتمال المتفائل والجميل، وأترك باقي الاحتمالات لكم.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق