برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

المقهى وأشياء أخرى

في السنوات القليلة الأخيرة، توسّع نشاط المقاهي في منطقتنا على نحوٍ غير مسبوق، بعد أن كان عدد المقاهي محدودا جدا، وهذا التوسّع، لا يمكن اعتباره مجرد توسّع لنشاط تجاري يقدم سلعة أو خدمة لزبائن، بل يمكن اعتباره ظاهرة جديدة متنامية، تعكس دلالات جديدة لمجتمع يتجدد.

منذ مطلع السبعينيات تقريبا، برزت بعض سلاسل المقاهي بوصفها «الفضاء الثالث» كما عبّرت ولا تزال تعبر عن نفسها بذلك، فالمقهى فضاء يقع بين المنزل والمكتب، فضاء تتقاطع فيه أنشطتهما في جو يجمع الاسترخاء والعمل في آنٍ واحد، هو فضاء يكسر روتينية وصرامة بيئة العمل المعتادة، ويقرّبها من حميمية غرفة المعيشة المنزلية.

الدخول المتأخر نسبيا للمقاهي إلى مجتمعنا، لا يمكن فصله عن مفهوم الفضاء الثالث، إنه ليس مجرد مكان لتناول القهوة التي لم تكن مشروبا شعبيا قبل هذه الموجة، فسياحة سريعة على المقاهي المتناثرة في كل ناصية شارع، تنبئك بأنه فعلا فضاء ثالث، ثمة من يذاكر دروسه، وآخرون يعقدون اجتماعاتهم، ويسترخي آخرون لساعات كانوا يقضونها سابقا في مجالسهم.

فثقافة إدارة الأعمال اليوم لم تعد تنسجم مع القوالب الجامدة للمكاتب بالضرورة، فالعمل عن بعد، والأعمال الحرة يمكن إنجازها من خلال هذه الفضاءات.

حتى جلسات التسامر، وجدت في فضاءات المقاهي هروبا من جدران المنزل والانفتاح على الشارع وعلى آخرين يمرون بذات الفضاء، وفيها إسقاط للتكلف بإعداد المجلس وضيافته، فيلجأ المتسامرون إلى فضاء محايد، يخدم كل واحد منهم نفسه ويضيفها بما يريد.

هذا الحياد حفّز الحوارات ذات الطابع الثقافي لتنتقل إلى المقاهي، لتتخلّص من رقابة المجالس، وما تمليه من آداب تقتضي احترام صاحب المجلس الذي يحدد سقف الحوارات وأين تتوقف حرية التعبير، المتحاورون في المقهى يتساوون في السلطة، لا يتوزعون بين ضيف ومضيف، فتتساوى الحقوق والواجبات وبالتالي تندفع حواراتهم في حلٍّ من ذلك الاعتبار.

لا يبدو أن انتشار المقاهي موجة عابرة، بل هو تغيّر جديد سيعزز استدامته عوامل كثيرة، منها اختفاء المجالس والملحقات من وحدات السكن الصغيرة ومتوسطة الحجم، نتيجة اللجوء إلى تصاميم اقتصادية أكثر من حيث الإنشاء والتشغيل، وهذا سيجعل هذه الفضاءات، والفضاءات الشبيهة التي قد تتبلور لذات الوظيفة، الملجأ الوحيد كفضاءات للتواصل الاجتماعي، جالبة معها تداعيات اجتماعية وثقافية وتربوية واقتصادية.

فاجتماعيا وتربويا، ستتقلص مساحة التفاعل بين الآباء والأمهات مع أصدقاء أولادهم وبناتهم، بسبب انسحاب هؤلاء إلى المقاهي، بعد أن كانت البيوت ملتقى للأصدقاء، وأيضا، سيفتقد الأبناء والبنات التفاعل مع أصدقاء والديهم، بكل ما يعنيه هذا التفاعل من تعثر لنقل الخبرات الاجتماعية من جيلٍ لآخر.

أما ثقافيا، فثمة من يراهن بأن حوارات المقاهي المتحررة من الاعتبارات الاجتماعية، ستكون مختبرات لإنتاج أفكار جديدة، واختراق مناطق تفكير جديدة ضاقت عليها جدران المجالس وقيّدتها أسقفها، وربما يستند هذا الرهان على انبعاث تجارب العواصم العربية التي ازدهرت الثقافة من مقاهيها التي حضرت في أروقتها الثقافة والأدب والفكر، انبساط التجربة الحديثة وحده الكفيل بأن نرى إلى أي حد ستكون هذه المقاهي عنصرا فاعلا في الثقافة، فلنستمتع بمرارة القهوة ونترقب المشهد.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق