برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مدارات

عروبة زائفة

ورد في أدبيات التاريخ الإسلامي أن الخليفة العباسي الثاني، أبا جعفر المنصور حين حضر أمامه قائد جيشه الفارسي أبو مسلم الخرساني، وبعد تعداد جملة من المآخذ عليه، وإصداره الأمر بقتله، كان أن صاح أبو مسلم الخرساني بمقولة مفادها «استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين» فجاوبه المنصور بمقولة طارت في الآفاق حيث قال له «أعدو أعدى إليّ منك؟» أي وهل هناك على وجه البسيطة من هو أكثر عداوة ومكايدة لي أكثر منك؟

فكان أن قطع رأسه، فلما هاج عسكره الذي كان أغلبه من الفرس وماج، بعد رؤية رأس قادهم مقطوعا ومرمى به على التراب.

أمر المنصور بأن ينثر عليهم بالدراهم، فتكالبوا عليها وتنافسوا على تجميعها، ثم انفضوا عائدين.

ما يعنيني في هذا المقام من سرد هذه القصة التي تبدو في مناحٍ عديدة منها أقرب ما تكون للميثولوجيا، ليس التحقق من درجة صدقيتها، وإنما الاستشهاد بجملة المنصور الأخيرة، وأعني بذلك «أعدو أعدى إليّ منك؟»

إذ بتأمل واقعنا العربي المعاصر، وجملة التفاعلات والصراعات التي تموج فيه، والاستقطاب، وكذلك الاستقطاب المضاد، كل ذلك يرسم حالة من اللا ثبات وحالة من التوتر القائم.

ولقد تربينا منذ الصغر على مقولات ترددها الإذاعات العربية والصحافة الورقية العربية أيضا، مفادها أن الإمبريالية العالمية والصهيونية هما أعدى أعدائنا، ولا مخرج لنا كعرب إلا بوحدة عربية تقوم على مرتكزات قومية، سواء كانت وحدة فيدرالية أو وحدة كونفدرالية، لكن متتاليات الزمن، قد حملت لنا الكثير من المفاجآت التي نزلت على رؤوسنا كالمطارق، فكان أن شهدنا في أوائل تسعينيات القرن الميلادي المنصرم، الغزو العراقي الغاشم للجارة الكويت.

ورأينا بأم أعيننا وما زلنا نرى، تلك التدخلات المتكررة في الشأن الخليجي وأمن واستقرار دوله، ومحاولة الإضرار بأمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية من العالم.

بل أكثر من ذلك، قد رأينا النظام القطري، يضع يده في يد نظام أردوغان في تركيا، ليسيرا بمعية التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المحظورة، في سعيٍ وتكالبٍ محموم، يهدف للإضرار بأمننا وأمن باقي دول منطقة الشرق الأوسط.

الأمر الذي أدخلنا كمراقبين في حالة من الذهول، وخلط علينا الكثير من الأوراق، بل لم يعد يستطيع البعض منا تمييز  العدو من الصديق.

فيا لها من خيبة عربية تضاف إلى المزيد من خيبات هذه الأمة، التي منيت بأناس لا يحملون من معنى العروبة سوى الاسم، ويا له من سوء حال لأمتنا العربية المنكوبة.

حسن مشهور

حسن مشهور مفكر وأديب وكاتب صحفي. كتب في كبرى الصحف المحلية والعربية منها صحيفة جورنال مصر وصحيفةصوت الأمة اللتان تصدران من مصر بالإضافة للكتابة لصحيفة العرب ومجلة الجديد الصادرة من لندن والتي تعنى بالنقد والأدب. ألف عشرة كتب تناولت قضايا تتعلق بالفكر والفلسفة والنقد ترجم عدد منها للغات حية أخرى كما نشر العديد من الدراسات الأدبية والأبحاث في دوريات علمية محكمة ، وقدم العديد من التحليلات لعدد من الفضائيات والصحف العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق