برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

فرنسا بين خشونة الإرهاب ونعومته

الفكر الإرهابي يولد من رحم التعصب وينمو في المجتمعات التي تقدس إرثها وتاريخها بصورة استعلائية، ولا ترى في موروث الآخر أي قيمة تضاهي عظمة موروثها الذي تراه نموذجا يجب أن تحذو حذوه الأمم الأقل تطورا وإنجازا، لذلك فإن أوجه الإرهاب متعددة، منها ما هو متدثرٌ برداء الفكر الديني المتشدد، ومنها ما هو متسربل بثياب الفكر الثقافي المتعصب للمفاهيم والقيم، أيا كان مصدرها، ومنها ما هو متعلق بالتفوق العرقي والحضاري، الذي تتبجح به بعض الجماعات المتطرفة، والقائمة تطول إذا ما أردنا أن نحدد تلك الأوجه ذات الأقنعة المتعددة والطبيعة الواحدة.

حين تعصب الرئيس الفرنسي لمفهوم حرية التعبير بصورة خاطئة، وأيد بشكل مستفز فكرة إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للمسلمين، كان يمارس شكلا من أشكال الإرهاب الذي أدى في نهاية المطاف إلى نشر الكراهية والعداء بين فريقين يختلفان في منظومة القيم الأخلاقية والدينية، وإن اجتمعا على وحدة الهوية والأرض، إلا أن البون الشاسع بينهما في مفهوم الحرية، يلغي أهمية الهوية والأرض، بحيث تبدو مسألة هامشية لكلا الفريقين، طالما أنها لم تنجح في خلق بيئة تجعل من أولويات المواطنة تجنب ازدراء واحتقار معتقدات الآخر، وتعزز من قداسة مبدأ التعايش والاحترام المتبادل في كل الاختلافات الفكرية والدينية، لذلك دائما ما يغلب على الصراعات الفكرية في المشهد الفرنسي طابع التطرف والحدة في النقاشات والحوارات الجدلية، بذريعة ممارسة حق حرية التعبير ونسبة ما لا يصح أن يُنسب إليها من تهجم واستفزاز للآخرين.

الحقيقة أن ما قامت به المجلة الفرنسية شارلي إيبدو، هو وجه من أوجه الإرهاب الناعم المستفز الذي اصطدم بوجه آخر للإرهاب، موغل بالخشونة والوحشية، والنتيجة كانت مأساوية على الجميع، حتى المعتدلين من كلا الطرفين لم يسلموا من تداعيات موجة الكراهية التي تسبب فيها الرئيس الفرنسي حين تعصب لمفهوم الحرية الواسع، وتجاهل أن الحرية لا يجب أن تكون فضاء لا حدود له من أجل ممارسة التطاول والاستهزاء بكل وقاحة في حق الآخر الذي يتقاسم معه الهوية والانتماء.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق