برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

نحو أفول «المفطحات»

في ثقافتنا المحلية، لا تزال «المفطحات» تحضر بوصفها دلالة على الكرم و«توجيب» الضيف، فعلى الرغم من توفر أصناف من الأطعمة الفاخرة ذات قيمة أعلى مثل الكافيار والسوشي، يبقى «المفطح» سيد الولائم بلا منازع.

ما الذي جعل الكرم المتمظهر في هذا النمط من الولائم، في هذه المرتبة العليا من منظومتنا الأخلاقية؟ سأستعين هنا بالوجوديين لأزعم أن الأشياء لا تحمل قيمة في ذاتها، ولكن الإنسان يسعى إلى منحها قيمة ليقوم بترتيب العالم من حوله في سياق توقه للكمال، وبالتالي يمكن القول إن الأخلاق مخترعات بشرية تحمل في باطنها أهدافا نسعى من خلالها لتنظيم أمورنا.

ففي مثال الكرم، تم اعتباره منقبة عالية في زمن الكفاف الاقتصادي، حيث لا يجد الكثير من أفراد المجتمع سوى ما يسد رمقهم بالحد الأدنى، هنا يقوم المجتمع بإعلاء قيمة الكرم ليدفع أفراده الميسورين للتكافل وتشارك الموارد، وبذلك يكون الهدف المضمر هو إدارة الموارد بحيث يكتسب الكريم «المانح» قيمة معنوية اجتماعيا، ويكتسب المكرّم «الممنوح» قيمة مادية فيما يحصل عليه من طعام أو غيره، وهذه العلاقة تكفل استقرار المجتمع عن طريق تأمين الضروريات المعيشية لمن يحتاجها.

الوليمة في زمن الكفاف الاقتصادي، كانت توفر غذاء لشريحة معتبرة تحتاج إلى الطاقة لمزاولة أعمالها، حيث لم تكن الوجبات الغنية بالسعرات الحرارية متوفرة على نطاق واسع، ولكن لم يعد الأمر كذلك في زمن الوفرة المادية واتساع الطبقة الوسطى، صحيح أنه لا يمكن الزعم باختفاء الفقر من المجتمع، لكن الفقير وجد ضمانا اجتماعيا، وجمعيات خيرية، إضافة للمتبرع الكريم التقليدي، كوسائط للمساعدة.

ولكن بسبب بطء تلاؤم المجتمع مع التغيرات التي تطرأ عليه، بقي «المفطح» حاضرا على الرغم من أن المستفيدين منه في الولائم، أغلبهم من أولئك الذين تتوفر اللحوم على موائدهم يوميا طوال العام، والذين لا يحتاجون إلى سعرات حرارية لبذل مجهود بدني، فتتحول تلك السعرات الحرارية إلى شحوم، تتراكم مسببة لهم السمنة المفرطة، وارتفاع الكوليسترول، وبعض الأمراض المزمنة الأخرى، نعم، نحن ببساطة ومن باب القيام بواجبات الضيافة نتسبب في ذلك كله.

إذا كان الكرم فعلا قيمة أخلاقية نسعى من خلالها إلى التعاضد، وتمكين الجميع من الاستفادة من الموارد المتاحة، فإن الكرم اليوم في زمن اقتصاد المعرفة لا اقتصاد الكفاف، يمكن أن يتمظهر في الكرم بالتأهيل، والتعليم، وتوفير المعلومة، فالأهم من توفير الغذاء الدسم مباشرة للغير من خلال الولائم، هو توفير الدعم لهم من خلال تمكينهم من الانخراط في التنمية والاقتصاد، بتأهيلهم وتقديم المشورة لهم ليستغلوا مهاراتهم وقدراتهم.

ويمكن أن يتمظهر الكرم أيضا في بذل الوقت في خدمة الآخرين وليس فقط في بذل المال، فالوقت معادل موضوعي للمال في زمننا هذا، ومن يبذل من وقته لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي يبذل من ماله.

فالبخيل ليس من يبخل بالطعام فقط، بل من يبخل بالمعلومة، والكريم ليس فقط من يبذل من ماله، بل كذلك من يبذل من وقته، فإذا كان الطعام والمال الشروط اللازمة للوصف بالكرم في طور النشأة وتبلور المفهوم، فإنه لا يمكن تأبيد التساوق بين الطعام أو المال من جهة، والكرم من جهة أخرى.

هل يمكننا أن نعتبر ثنائية الكرم و«المفطح» مثالا للبحث في صلاحية الكثير، مما نعتبرها قيما اجتماعية عليا؟ الحكم للقارئ الكريم.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق