برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

أفكارنا والتكلفة الغارقة

في كتابه المهم «فن التفكير بوضوح» يتحدث الكاتب السويسري رالف دوبلي عمّا سماه مغالطة «التكلفة الغارقة» وهي المغالطة التي تدفعنا للاستمرار في شيء ما على الرغم من عدم جدوى هذا الاستمرار.

يتدرج دوبلي في الأمثلة على هذا النوع من المغالطات، ابتداء من زوجته التي تجبره على مواصلة الجلوس في السينما رغم اكتشافهما بأن الفيلم لا يستحق المشاهدة منذ البداية، ولكنها تخبره بأنها لا تريد خسارة ثمن التذاكر، على الرغم من أن ثمن التذاكر لن يعود سواء غادروا أم استمروا، بل إن المغادرة قد تفتح لهم فرص ترفيه أفضل وتوفّر لهم وقتا يحتاجونه.

مثال آخر على مغالطة التكلفة الغارقة، هو ذلك الشخص الذي يصرّ على الاستمرار في حملة إعلانية لأحد منتجات شركته لشهور دون تحقيق نتيجة، فقط لأنه استثمر مالا وجهدا في هذه الحملة ولا يريد التوقف ليعترف بالإخفاق.

يوسّع «دوبلي» أمثلته لتشمل ذلك الشخص الذي استثمر وقتا وعاطفة في علاقة، وعلى الرغم من تعثرها، إلا أنه يتغافل، ممنّيا نفسه بالنجاح. ويصل «دوبلي» إلى مثال أكبر، كعدم إيقاف الولايات المتحدة لحربها على فيتنام تحت ضغط الخسائر والتضحيات، التي قدمتها وشكّلت ضغطا عليها حتى لا تتوقف دون نتيجة تجعل من تلك التضحيات ذات قيمة.

إن مصطلح التكلفة الغارقة يجري استخدامه بشكل موسّع في عالم المال والأعمال، وخصوصا في البورصات، حين يتمسك مستثمر بسهم لأنه استحوذ عليه بأعلى مما يمليه عليه سعر السوق حاليا، ولكنه بدلا من النظر إلى مستقبل السهم ليتخذ قرار البيع، يتعلّق بالماضي، أي بسعر الاستحواذ الذي لا يشكّل عاملا مهما في اتخاذ القرار.

ولكنني هنا، سأحاول أن أنقل هذا المصطلح من عالم المال والأعمال إلى عالم الفكر والثقافة، مفترضا بأن الاستثمار المالي مشابهٌ للاستثمار الفكري، فأفكارنا كأموالنا، نجمعها على امتداد حياتنا ومن مصادر متعددة، وكما نميل إلى الاحتفاظ بمصدر مالي على الرغم من تعثره، نميل إلى الاحتفاظ بأفكار على الرغم من أننا نجد فيها فجوات يتعثر معها تقديم الأجوبة والتفسيرات عما حولنا.

فإحدى الوظائف المحورية لأفكارنا، تقديم الأجوبة على ما نواجهه من مستجدات، تتطلب منا فهمها حتى نمضي، وبتلك الأفكار التي راكمناها، نحاول التفسير وإرضاء فضولنا الفطري، ولكننا حتى لو خذلتنا أفكارنا، لا نتخلى عنها طواعيةً وبسهولة، لماذا؟ ربما هي التكلفة الغارقة، فأفكارنا توليفة من تعليمنا المدرسي، وتنشئة الأهل، ووعظ المدارس، والإعلام المرئي والمقروء، والكتب التي مرّت علينا.

وبالتالي، استثمرنا الوقت والمال لتجميعها، وقمنا بصيانتها وتمتينها عبر مشاركتها مع الدوائر القريبة من الأصدقاء وأصحاب الاهتمام المشترك، وتكلفة الاستثمار في جني الأفكار ونظمها، يشكل ضغطا علينا يدفعنا لعدم التخلي عنها.

وكما تدفع مغالطة التكلفة الغارقة المستثمر إلى تضييع فرص إنقاذ ما يمكن إنقاذه من استثماراته، فإنها تدفع من يتمسك بأفكاره إلى تضييع فرص تمكين ذاته من تملك أفكار جديدة تقوم بوظيفة التفسير وتقديم الأجوبة الملائمة لما نواجهه في دربنا.

ولكن السؤال: كيف نبرر لأنفسنا التمسك بتلك الأفكار التي خسرت قدرتها على تقديم الأجوبة؟ أترك الإجابة للمقالة القادمة.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق