برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

المعلم الحكواتي ورقصة الأستاذ الجامعي

كنت برفقة صديقي المبتعث من سلطنة عمان الشقيقة، في أحد المباني العتيقة في الشطر الجنوبي من العاصمة الأيرلندية دبلن، قبل بضعة أعوام، نحضر محاضرة في مناهج البحث العلمي، لدى أستاذ جامعي يدعى كونور جالڤن، يُدرس خليطا من طلبة الدراسات العليا والبكالوريوس.

في إحدى المحاضرات وبدون مقدمات، دعانا «جالڤن» للخروج إلى خارج القاعة من أجل فاصلٍ من الرقص، التفتُّ إلى زميلي من عمان الشقيقة ونحن نتساءل: رقص؟ بعد لحظات وجدنا أنفسنا مع أكثر من عشرين طالبا وطالبة نتحلق حول جهاز مسجلٍ قديم، ليعلن «جالڤن» أننا سنبدأ بالرقص على إيقاع المقطع الموسيقي الذي سيشغله في الحال، ثم نتوقف بمجرد توقف المقطع، ليطرح كل واحدٍ منا على زميله سؤالا في مناهج البحث العلمي، ليجيبه الآخر في ظرف دقيقة ثم يُعاد تشغيل المقطع مرة أخرى، ويعود الجميع للرقص وهكذا.

كأن «جالڤن» قرأ في عينيّ أنا وزميلي تلك الابتهالات بالخروج من مأزق حفلة الرقص هذه، فترك لنا خيار المشاركة أو الاكتفاء بالمراقبة فقط، لا حاجة بأن أخبركم بأننا فضلنا الأخذ بالخيار الثاني دون تردد.

تذكرت هذه القصة، بينما أقرأ كلاما لسعيد خليل عميد كلية التربية الأسبق في جامعة عين شمس، حول ضرورة وجود ما يسمى بـ«بهجة التعليم» وهو الدافع لذهاب الطالب إلى المدرسة وحب الطالب للبقاء في الفصل دون الشعور بالملل أو الضجر، ومصطلحُ البهجة آخذٌ في الانتشار عبر عدد كبيرٍ من الأبحاث التربوية، في تكنولوجيا التعليم، وكيفية خلق حالة من البهجة لدى الطالب، تجعله يُقبل على الموقف التعليمي بروحٍ جديدة، ومدى تأثير ذلك على انخراطه في الموقف التعليمي، وبالتالي تعزيز أدائه وتحصيله الأكاديمي.

لا أدري، لماذا لا يزال الكثيرُ من أقطاب العملية التعليمية يصرون على ربط الموقف التعليمي بالصرامة والجمود وعدم التجديد؟

يحكي لي أحدُ أساتذتي الفضلاء عن معلم مرحلة ابتدائية لمادة الاجتماعيات، في إحدى المدارس النائية في المدينة المنورة، كان يأخذ طلابه إلى الساحة الخارجية للمدرسة، يفترشون الأرض حول معلمهم الذي يتقمص شخصية الحكواتي، ويبدأ في سرد القصص التاريخية بأسلوبٍ مسلٍّ مشوق.

وهل لدى أطفال مرحلةٍ ابتدائية بهجةٌ تعدل الخروج من أجواء الفصل، لتجديد الهواء النقي والإنصاتِ إلى قصة؟ إنها حالة البهجة التي نتحدث عنها.

في زمن التعليم عن بعد، نحتاجُ إلى ذلك بصورة مضاعفة، التلعيب، الواقعُ المعزز، المتاحف الافتراضية، الأفلامُ التعليمية، الموشن جرافيك، وغيرها الكثيرُ، مما لا تتسع المساحة لسرده من تقنياتٍ حديثة يمكنها أن تضفي على فصلك الافتراضي -عزيزي المعلم- حالةً من البهجة، أنت وطلبتك بحاجةٍ ماسةٍ إليها، ابحث، اقرأ، اسأل، وستجدُ ما يناسبك متى ما أردت.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

تعليق واحد

  1. أستاذي القدير الدكتور أيمن العريشي، طاب صباحك.
    من أروع ما قرأت عن العملية التعليمية. لك وافر التحايا..

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق