برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

شخصياتنا الافتراضية

خلال تفاصيل يومه الواقعي، يضطر للتعامل مع كل من يلتقيهم بشخصية متزنة لا يمكنه الانحياز نحو جانب من مشاعره أو المبالغة في ردود أفعاله، أو إظهار انطباعاته تجاه الآخرين، بقدر كافٍ من الحرية التي ترضي ما بداخله.

وحين يدخل عالمه الافتراضي يخلع عنه هذا الرداء ليكون حرا وربما متمردا، فهناك أسوار من الأجهزة تخفي سلبياته عن عالمه الذي يتواصل معه.

هكذا نحن، وفي لحظة تأمل بسيطة لشخصياتنا سنجد أننا أصبحنا نملك شخصيتين إحداهما واقعية والأخرى هي تلك الافتراضية التي نضطر للتعامل من خلالها مع عوالمنا الافتراضية.

وهذا الانفصام الذي نعيشه هو نتيجة حتمية لانفصال الواقع عن العالم التقني، الذي اضطررنا للتعايش والتواصل والتعامل من خلاله، مع كل ما يحيط بنا.

ففي العالم الافتراضي، هناك مساحة أكبر من الحرية في التعامل، وإمكانية ظهور الفرد كما يريد، سواء على حقيقته أو بتزييفها، أما العالم الواقعي فنحن مرغمون على التعامل فيه، من خلال قوالب شخصية محددة يفرضها كل محيط على أفراده.

فهناك شخصيات اجتماعية لها حضورها الملفت في مواقع التواصل، ولكن حين تلتقي أيا منها في مكان عام، تصاب بحالة من الذهول، لاختلافها عن الواقع في التعامل والتواصل والحضور، فهذه الشخصيات التي صنعها العالم الافتراضي قد تكون غير قادرة على إلقاء كلمة بسيطة في احتفال عام، أو قد تفتقر إلى أبسط مهارات التواصل التي تتطلبها مكانتهم الاجتماعية.

ولا شك بأن لكل عالم سلبيات وإيجابيات، لكننا ننساق نحو العالم الافتراضي دون شعور، بعد أن أصبح كل ما حولنا يعج بالافتراضية، وبعد أن اعتدنا التعامل والتواصل والمحادثة والكتابة والعمل والتعلم والتدريب افتراضيا، فمن الطبيعي أن نمتلك شخصيات افتراضية، تختلف تماما عن تلك الواقعية التي نتعامل بها في تعاملاتنا المعتادة.

وما نخشاه ليس أن تصبح لكل منا شخصيته الافتراضية، ولكن أن نعتاد عليها، وننسى شخصياتنا الواقعية، حتى نبدو كمن لا يعرف الآخر حين التقائنا يوما في عوالمنا الواقعية.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق