برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
غدق

فوضى الألقاب

هناك من يعشق الألقاب بطريقة غير اعتيادية، يأكل ويشرب، يصحو وينام، على وقع هذه الألقاب التي لا تقدم له شيئا ولا تؤخر، تذهب إلى المناسبات فلا تسمع سوى كلمة الشيخ فلان، والإعلامي فلان، والشاعر الفلتة فلان، والوجيه فلان، وكثير من الألقاب والمسميات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

هكذا تتناسل الألقاب، فيما تغيب الحقيقة التي جاءت من أجلها، لأن الألقاب بكل تنوعاتها لم تعد مناسبة ولا مستساغة في هذا العصر الحديث، الذي يريد من الإنسان إثبات الذات بعيدا عن اللقب والكنية والمسمى.

إن الإنسان العاقل المدرك الواعي لا تعنيه مطلقا هذه الألقاب، ولا يحب أن يتعامل معها، تواضعا منه واعتزازا وثقة، حتى في ديننا الإسلامي الحنيف لا توجد هذه الألقاب، فالخلفاء الراشدون تتم مخاطبتهم مباشرة، فيقال أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وفي أحسن الحالات ينادى بأبي فلان.

في الزمن الحديث، كلما زادت وتكاثرت الألقاب، تراجع الأداء، وكلما تراجعت هذه الألقاب، كان الأداء نوعيا ومغايرا، إن الألقاب التي نسمعها كثيرا هذه الأيام يجب ألا تطلق بشكل موسع وبلا عنان، لأنها لا تفيد ولا تطور من الإنسان شيئا، بل ربما تكون من أسباب تأخره ونكوصه، على حساب الإنتاج والابتكار والإبداع.

إن الإنسان الحريص على التقدم والتطور لا تهمه هذه الألقاب والمسميات، ولا يهمه المديح المغلف بعبارات النفاق، بل العمل الجاد المثمر هو من أولوياته، ولا يهمه الكلام المنمق واللقب اللطيف الذي لا يتعدى التسويف الفارغ، إن خلطات الألقاب التي يطلقها البعض على البعض الآخر جلها الأعظم ليس حقيقة، بل مجاملة واهنة، ومداهنة زائفة، وليست لها علاقة بحقيقة المسمى واللقب.

إن طوفان الألقاب الذي نعيشه في هذا الزمن أنتج طبقة رثة من الناس حسبت نفسها هامة ومهمة، لها قدرها ووزنها في المجتمع، وهي في حقيقتها بعيدة كل البعد عن هذا، وإن اللقب ليس دليلا على موقع الشخص ومكانته الاجتماعية، بل قد يكون وبالا عليه ومصيبة، وإن ظاهر الألقاب بات من غير ضابط ولا رابط، في الوقت الذي سعى فيه كثير من المجتمعات المتقدمة المتحضرة التخلص من هذا العمل، الذي لا يمنح للشخص إضافة حقيقة.

إن التهويل بالألقاب والنعوت وتوزيعها بالمجان تفتقد غالبا للشروط والمعايير والمقاييس والمواصفات، التي يجب أن تكون متسقة مع شخصية الإنسان ومكانته وجهده وفعله وبلاغته وذكائه، يقول ميكافيلي «ليست الألقاب هي التي تشرف الرجال، بل الرجال هم الذين يشرفون اللقب»

وإن اللقب لا يمنح في الحقيقة والواقع إلا لصاحب العمل والتفرد والمؤهلات والتفاني والإيثار والخدمة للناس، وصاحب الخبرة والاتزان والعدل والعقل والحكمة، فعلينا ألا نبالغ أو نتطرف أو نهول في إطلاق الألقاب، حتى لا نعكس حقيقة المشهد، ونشوه مشهد الحقيقة، علينا أن ندرك تماما حقيقة الأفراد قبل أن نطلق عليهم الألقاب.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

تعليق واحد

  1. فعلاً حقيقه و واقع ملموس الف شكر للكاتب الذي ابدع في الوصف.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق