برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

الهدهد ورسالة السلام

أغلب الطيور جميلة بأشكالها وأصواتها عدا الغراب ونعيقه، ومن بين هذه الطيور نجد أن الهدهد الذي ذكر في القرآن الكريم بسبب المهمة التي قام بها، مع نبي الله سليمان، وهذا الطائر له عُرف مميز على رأسه بني اللون مرقط بالريش السود، يكون واضحا أثناء الطيران عند مشاهدتك له، فلا تمل من النظر إليه.

لا صوت له، ولكن النبي سليمان يعلم لغة الطير ويسمعها، فعندما طلب من جنوده الحضور أمامه ليتفقدهم وينظر إليهم تعجب عندما لم يشاهد الهدهد في مكانه، فسأل عنه، وتوعد بقتله لغيابه بدون إذن، إلا إذا أتى بعذر مقنع.

عاد الهدهد من رحلته الطويلة، فسأله نبينا سليمان عن سبب غيابه فقدم له تقريرا عن رحلته الشاقة، فأخبره بأنه علم شيئا لم يعلمه النبي سليمان، وهذا يدلل على ثقة الهدهد بالنبي سليمان وأنه لم يخش جبروته، أخبره عن أرض اليمن وملكتهم بلقيس وقومها الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها، فتشكك النبي سليمان بخبره هذا، فأراد النبي سليمان اختبار صدقه من عدمه، فأرسله بخطاب للملكة بلقيس يأمرها أن تقدم عليه وهي مسلمة، فذهب الهدهد بالخطاب إلى اليمن ورماه من خلال النافذة على سرير الملكة بلقيس، فعندما فتحت الخطاب وقرأته خافت وارتجفت، فجمعت أركان دولتها وقادة جيشها واستشارتهم في هذا الخطاب، وكانت تعلم قوة سليمان وما يملكه من جيش قوي، فتوصلوا في نهاية الأمر إلى إرسال هدية لسليمان لعله يقتنع بها ويرضى، إلا أنه رفض قبول الهدية وأخبرهم أنه سيأتيهم بجيش لم يشاهدوا مثله من قوته وعظمته، فلما علمت بمقصد نبينا سليمان خافت لأنها ملكة وتعرف أن الملوك إذا دخلوا مكانا وفتحوه أفسدوه ودمروه، وهي لا تريد تشتيت شعبها بسبب عدم تعنتها وتجبرها على أوامر النبي سليمان، فقررت الذهاب إليه بفلسطين مع رجالات دولتها لعل النبي سليمان يقتنع بالحديث معها وتتفاهم معه دون وساطة أحد.

عندما علم سليمان بقدومها بنى لها قصرا كبيرا يليق بها، وجعل الممرات من زجاج يشاهد الماشي الماء من تحته، وهذا من المعجزات التي تهيأت للنبي سليمان من الله -سبحانه وتعالى- وأراد أن يصنع معجزة كبيرة تجعل الملكة بلقيس تنبهر وتعجب بقوته واستطاعته بعمل المعجزات، فأمر بإحضار عرشها من اليمن ووضعه بالقصر، فقال لمن حوله من جنوده الذين يقومون بخدمته من يأتيني بعرشها بسرعة فائقة، فكان التحدي الواضح بين أحد جنوده من الجن وبين أحد جنوده من الإنس وكان عنده علم من الكتاب، فكسب التحدي الذي عنده علم من الكتاب وأحضر العرش ووضعه بالصرح، فقدمت الملكة بلقيس على نبينا سليمان ودار بينهما حوار طويل، فأراد النبي سليمان أن يختبر قدراتها فسألها عن هذا العرش أهو عرشك فقالت: كأنه هو، فأمرها بالدخول للصرح ورفعت ثوبها عن ساقيها لظنها أن تحته ماء، وهذا يعود لشدة إتقان فن البناء.

قصة بلقيس والهدهد من تلك القصص التي لا يمكن تجاهلها في التاريخ الإنساني، وتحمل العديد من الدلالات التي تلامس الحاضر والمستقبل، إذ إن الحوار والإقناع هو ما يتطلبه عالمنا اليوم للتخلص من النزاعات والحروب الطاحنة، كما أن المهارة في أماكن ومواقع القوى التي يمتلكها المسؤولون اليوم، للوصول إلى نتائج أكثر إيجابية ومتعادلة بدون خسائر وتحافظ كذلك على تعادل ميزان القوى بين الأمم.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

تعليق واحد

  1. من ثواب عقيدتنا أن القرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء، ولكنه ليس كتابا سطحيا (وحاشاه)، ولذلك دعانا الله تعالى لتدبره بقلوبنا لعمقه وتراكم دفائنه.

    من هنا: أرى أن هذا المقال يؤسس لما يجب أن نكون عليه، فتدبر القرآن والإفادة منه في تجويد حياتنا بكل مجالاتها ليس حكرا على أحد، بل هو حق مشاع، يجب أن نراه في كل مناحي الحياة.

    شكرا دكتور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق