برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تفاعلسبْر

تاريخنا السعودي.. وغياب التوثيق الفني

في عام 2005 تقريبا، كان أحد الأصدقاء الغربيين العاملين في السعودية، يطرح سؤالا مفاجئا على مجموعة من الحاضرين: هل لديكم في السعودية تاريخ إنساني؟ وأكمل حديثه: إذا كان لديكم، فلماذا لم أجد عملا فنيّا يتناول هذا التاريخ؟ ثم ختم حديثه قائلا: لقد بحثت كثيرا عن مثل هذه الأعمال التي توثق الجانب الإنساني في بناء الدول وتأسيسها، وقصص النضال والمقاومة والنماذج البطولية، وتاريخ الانكسارات والإخفاقات، إلا أنّني لم أجد شيئا من ذلك.

وحاول الحاضرون ومن ضمنهم كاتب هذه المقالة، دفع هذه التهمة، والرد عليها وتحليل أسباب الفقر الحقيقي في هذا الجانب لدينا، حيث حاولنا أن نشرح له، أنّ الشعر ديوان العرب، وأنّ كثيرا من الأحداث يرد ذكرها في تلك الأشعار، ثم أنّ الأميّة التي كانت تصاحب مراحل التأسيس والتوحيد في هذه البلاد، كانت عائقا دون ظهور أعمالٍ ملحميةٍ تؤرخ لتلك الفترة، وتمت الإشارة إلى بعض الأعمال التي أنجزها بعض المستشرقين في هذا الجانب، إلاَ أنّ محاولاتنا جميعها لم تفلح في زحزحة قناعة ذلك الصديق، حيث قال «أنتم لستم حرّاسا وأمناء للتاريخ العظيم لوطنكم» كانت تلك كلماته بالضبط.

تتعدد الأسباب لغياب الأعمال الإنسانية الفنية التي توثق لتاريخنا السعودي، بعض هذه الأسباب يمكن عزوها لانعدام العلاقة العضوية بين تاريخنا المعاصر والفنون الإنسانية بمفهومها الواسع، ولذلك أسبابٌ متعددة، إلاّ أنّ  السبب الأبرز في وجهة نظري يمكن أن يكون الحساسية المبالغ فيها من الجانب السياسي والاجتماعي والديني، عند الحديث عن تاريخنا المعاصر وأطواره، فالسياسي كان يرى أنّ الاكتفاء بالخطوط العريضة، مبهمة الملامح، يعفيه من تبعات الغوص في التفاصيل وجحيمها، كما يرى الاجتماعي والديني، أنّ البعد عن حقائق تلك المراحل قد يجنبه مرارة التساؤلات الصارمة، ويزيح عن كاهله أمانة الصرامة العلمية التاريخية، هذا فيما يتعلق بالنخب.

أما ما يتعلق بالأفراد، فقد أغنتهم أحاديث الرواة، ومحفوظاتهم التي تلقوها من أسلافهم، عن التفكير في ضرورة إعادة صياغة كل ذلك وفق شروط العمل الفني الذي يبتغي الخلود والأبدية، ولا لوم عليهم في ذلك، كل ذلك كان فيما مضى، ثم جاءت «رؤية 2030» العظيمة لتعيد صياغة الأمور وترتيبها كما يجب، فأصبح الحديث عن الرموز الوطنية بمختلف خلفياتها أمرا مقبولا بل ومطلوبا، فلم يعد هنالك عذرٌ لمن أراد العمل، ولذلك يبدو من الضروري أن تقوم الجهات الرسمية لدينا بالعمل على هذا الأمر، وتوفير جميع متطلباته، للخروج بمنجزاتٍ فنية خالدة.

أتحدث هنا عن الإعلام والجامعات وكل مؤسسةٍ لها علاقة بصياغة الهوية الوطنية والتاريخ لها وتطويرها، يجب أن تنتج الأعمال السينمائية والتلفزيونية عن أبطالنا الخالدين في التاريخ السعودي في جميع مناطق السعودية، شرط أن يتم ذلك على أيدي خبراء في تحويل النصوص التاريخية إلى نصوص مشاهدة عالية القيمة، ولذلك يجب العمل على تدريب الكفاءات السعودية على كتابة السيناريو والإخراج، وكل ما يتعلق بهذا النوع من الأعمال.

كما يجب أن يضاف إلى مناهجنا في جميع المراحل، ما يذكر تفاصيل الإنسان في هذه الأرض، وصراعه للبقاء والبناء والتحديث، ولكي نتفاءل، أعتقد أن وزارة الثقافة بدأت السير في الاتجاه الصحيح في هذا الأمر، وفيما يتطلبه.

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

تعليق واحد

  1. الكثير من الدول لا تحتاج لتوثيق إنساني لمجتمعاتها والسبب ان تلك الدول حاضره في كل لحظه وعلى مدار العصور فينصرف الأفراد عن التوثيق للعمل الفردي لتعظيم ما تمثله الدوله وهذا ما حصل حقيقه في المملكه العربيه السعوديه ما يلاحظه من هم غرباء عن هذا البلد أن الكثير من القيم والعادات لا زالت متأصله في هذا البلد منذ آلاف السنين وهذا بحد ذاته توثيق إنساني راقي لا يفهمه الا من يدقق في هذا المجتمع اللهم احفظ هذا البلد السعوديه العظمى من الشر والخيانه والعماله وسائر بلاد المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق