برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مدارات

البخاري وتجدد المناوئة

تزايدت في العقدين الماضيين وتيرة العداء، ومحاولة ثلب السنة النبوية، وإظهارها أمام محدودي المطالعة الدينية الإسلامية وصغار السن، بأنها مجرد مقولات مكذوبة تحوي مغالطات دينية، نُسبت زورا وبهتانا لنبي الأمة -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- وهذا الأمر لو فكرنا فيه بإمعان، سنجد أنه لا يخدم الحالة الدينية في المجتمعات الإسلامية، بل عوضا عن ذلك سيسهم في تعزيز نغمة الإلحاد المتصاعدة في المجتمعات الإسلامية التي لوحظ تواجدها مؤخرا.

وبالعودة لبواعث هذا التشكيك، سنجد تمسك هؤلاء المدعين بمقولة إن البخاري قد طالع 600 ألف حديث في 16 عاما، قبل أن يتخير منها تلك الأحاديث التي أودعها في كتابه الشهير «الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وسننه وأيامه» فهم يرون بأن هناك مبالغة في العدد، وكذلك بأن جل أحاديث هذا السِفْر الديني تتسم بالوضع والتضعيف.

وبالعودة لصحيح البخاري، وتأمله، فسنجد بأنه قد حوى 7593 حديثا، إذ تجاوزنا المكرر منها فسيكون المتبقي منها قرابة 4000 حديث صحيح، ضمنها البخاري في جامعه وفق اشتراطات بعينها، لعل من أبرزها، أن يكون راوي الحديث معاصرا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، إلى جانب وجوب اتصاف الراوي بالثقة والعدالة والضبط والإتقان والورع، إضافة لفكرة ألا يتعارض متن الحديث مع ثابت الدين وأوامره ونواهيه.

وأما الوضع، فقد قال عن ذلك الشيخ الراحل عبدالعزيز بن باز، عند سؤاله عن صدقية صحيحي البخاري ومسلم، بأنهما كتابان عظيمان وصحيحان تلقتهما الأمة بالقبول سوى ألفاظ يسيرة قد يحتج عليها بأدلة أخرى من نفس الصحيح، ألفاظ قد يغلط فيها بعض الرواة، لكن نفس المتن صحيح، وهو حديث واحد فيما أعلم وقع في صحيح مسلم، ووقع فيه بعض الغلط، ليس كله غلط، ولكن وقع فيه بعض الغلط، وهو أن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: خلق الله التربة يوم السبت، ثم عدد فجعل الخلق في سبعة أيام من السبت إلى الجمعة، وقد حفظ العلماء على أنه وهم من بعض الرواة، وإنما هو عن كعب الأحبار ليس عن أبي هريرة.

وأما العدد، فلم تقع يدي على مرجع يشير بنسب هذا القول للإمام البخاري، فربما كان العدد 60 ألفا هو الأصوب، وربما يكون عدد 600 ألف حديث، رقما مبالغا فيه قد وضعه المؤرخون ليشكل مغالطة تاريخية غير مقصودة، أو يمكن أن ترد للطبيعة العربية التي تميل دوما للمبالغة، وهي أمر مشاع في أدبيات التاريخ التراثي العربي، بل يكاد أن يكون دوما حاضرا في السردية التاريخية العربية، ولنا فيما روى من أحداث معركة مؤتة التي جرت في عهد النبي الهاشمي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- خير شاهد فيما ذهبت إليه.

نقلت أدبيات المغازي، بأن تعداد جيش الروم قد تجاوز 100 ألف جندي في مواجهة جيش ابن عم رسول الله، جعفر بن أبي طالب الذي كان في حدود 3000 مقاتل، وعلى الرغم من مواجهة هذه القلة من المقاتلة المسلمين لعدد مهول من جيش روما النظامي والمدرب عسكريا، فقد عاد خالد ابن الوليد بالجيش سالما لم يستشهد منه سوى اثني عشر رجلا ليس إلا.

وبعيدا عن صدقية العدد المرجعي المنتقاة منه الأحاديث، فنحن كمسلمين لا يعنينا سوى المحتوى التعبيري المدون في هذا الصحيح الحديثي، فهو يشكل تكميلا ويمثل تكاملا للرسالة النبوية السماوية التي حوى جلها القرآن الكريم.

وفي تقديري، أنه من الأسلم للعقيدة الدينية وللتربية السلوكية الدينية للأجيال الناشئة من الجنسين، ألا يتم تشكيكهم في مصادر تشريعهم الديني، وصولا لضمان يقينية وثبات معتقدهم الديني الإسلامي، خاصة في ظل موجة الإلحاد العالمي، التي ألقت بظلالها مؤخرا على الواقعية الثيولوجية للعديد من المجتمعات الإسلامية.

حسن مشهور

حسن مشهور مفكر وأديب وكاتب صحفي. كتب في كبرى الصحف المحلية والعربية منها صحيفة جورنال مصر وصحيفةصوت الأمة اللتان تصدران من مصر بالإضافة للكتابة لصحيفة العرب ومجلة الجديد الصادرة من لندن والتي تعنى بالنقد والأدب. ألف عشرة كتب تناولت قضايا تتعلق بالفكر والفلسفة والنقد ترجم عدد منها للغات حية أخرى كما نشر العديد من الدراسات الأدبية والأبحاث في دوريات علمية محكمة ، وقدم العديد من التحليلات لعدد من الفضائيات والصحف العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق