برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تفاعلفي مهب الحرف

الناي وديمقراطية الموسيقي

على هامش زيارة رؤساء الأندية الأدبية لمحافظة المخواة، حضر الفن التشكيلي والثقافة والتاريخ والموسيقى بكثافة.

من قرية «ذي عين» حيث أحاديث الأسطورة على ضفاف الماء وعبق التراث بين أنفاس المساء، مرورا بجدارية الفن التي قامت عليها بلدية المخواة، ونفذها فنانو المحافظة التشكيليون برئاسة الفنان عبدالرحمن العيدان، وصولا لمقر معرض الكتاب بالغرفة التجارية بالمخواة، الذي يقف خلفه شابٌ متقد الحماس لا يتجاوز العشرين من العُمر، هو محمد أحمد العُمري، الذي ما زال طالبا، وجد دعما من محافظ المخواة والغرفة التجارية، ورئيسها ماشي العُمري، بسخاء، فكانت هذه التظاهرة.

وحين المساء، كان السفر مع التخت الشرقي نحو عوالم السحر في أرجاء استراحة القرية التراثية، وطفق فنانو المخواة عبدالله بارقي ومنصور العُمري، يشنفون الأسماع بنغم يليق بفتنة ليالي الشتاء، فضبط الحضور الفخم إيقاع روحه على مقاس اللحن.

المذهل محمد حسن قليّل كان سيّد الليل وسادنه، وهو ينثر فيهم وجع الناي وحزنه وشجنه، ويستحضرون معه أحلاما بعيدة وذكريات لا تشيخ.

كنت مع كل مقطوعة تتخذ مكانها في أسماعنا، أفكر بعمق في عبقرية الموسيقى، أعدت تأمل ديمقراطية آلات الموسيقى، تصمت آلة لتتيح لأخرى مساحة الحضور، يلوذ العود بالصمت تماما ليصعد صوت الناي ويكمل الجملة الموسيقية التي بدأها الوتر، في تراتبية هائلة جدا دون أن تشعر أحدهما بغضاضة أن يصعد على كتفه الآخر المختلف، وهنا كنت أتجرع حقيقة أن الموسيقى «تعلمنا الحياة» وتوحّد فينا كل الصفات.

سرحت مع مفارقات الموسيقى الهائلة، فالموسيقى يمكنها أن تمجدنا، أو تحرّرنا، أو ترهّبنا، أو تكسر أكثر القلوب قسوة، مع أرق نغماتها الحزينة.

لكن تظل مهمتها الأساسية كما يقول «نيتشه»: أن تقود أفكارنا إلى أشياء أسمى، أن نرتقي، بل أن نرتعد، لا أتذكر هنا من قال: لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة، وليس من شك في أن الحياة بدونها تغدو جافة ولا تحتمل.

المساء الغنيّ أعادني لطفولتي حين كانت «الصفريقة» تنبعث في قريتنا من كل الأرجاء، عبر حناجر الرعاة، ينفثون من خلالها أشجان صباحاتهم، حين غدوهم، ويستعيدونها مساء، في سمرهم المليء بالشجن، ‏لتكون رحلة يومية لا تشتعل إلا بالزفير، فيما يحاصرني السؤال: كيف استطاع القدماء اكتشاف جمال الموسيقى، وكيف اهتدوا لفتنتها؟

الأهم: أنه في مجال صعب كالناي، عازفوه على مستوى الوطن ندرة، ولا يتجاوزون أصابع اليد، ومع هذا لا يجدون مساحات كافية للحضور الذي يليق بأناقة الناي وعازفيه.

ويقينا، أن وطننا الشاسع مليء بمواهب فادحة الثراء، من أمثال محمد حسن، تحتاج من يتلقفها.

ناصر العُمري

ناصر بن محمد أحمد العُمري، كاتب رأي في عدد من الصحف المحلية، نائب رئيس اللجنة الإعلامية لقرية الباحة التراثية بمهرجان الجنادرية، رئيس تحرير مجلة تهامة الصادرة من الغرفة التجارية الصناعية بالمخواة، المنسق الإعلامي لبرامج أندية الحي الترفيهية التعليمية و أمين عام ملتقى المواطنة الرقمية والأمن السيبراني بمنطقة الباحة حاصل على دبلوم عالي في استخدام الدراما في التعليم من معهد نور الحسين في الأردن، رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة المخواة وعضو لجنة المسرح بمنطقة الباحة. حصل على جائزة المركز الأول في مسابقة النص المسرحي على مستوى السعودية عن نص «كانت أيام» من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالجوف وجائزة المركز الثالث في مسابقة أحمد أبو ربعية بالمدينة المنورة عن نص «انتظار» وجائزة أمير منطقة الباحة للإبداع المسرحي عن نص «آن له أن ينصاع». كما ساهم في اخراج العديد من الأعمال المسرحية. نشر له العديد من المقالات المسرحية والقراءات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. صدر له كتاب «ركح الفرجة» و «صراع .كوم»، وشارك في العديد من المنتديات والمؤتمرات والندوات الثقافية والمسرحية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق