برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رشحة من مداد

طريقٌ بين فسطاطين

تعيش الأمم أزمات نفسية تتعلق بالهويّة، خاصة بعد النكباتِ والنكساتِ التي تحدثُ في تاريخها، لأن تكسر مثالياتها وواقعها وتحدث تغييرا جديدا يترك أثرا عميقا في النفوس والعقول، وقد تأتي الأزمات بعد الحروب الطاحنة أو المجاعات أو التغيرات الاجتماعية العميقة.

والناس في تعاملِهم مع هذه الأزماتِ يأخذون في الفكر والموقف النفسي والسلوكي، طريقا واحدا من ثلاثة طرقٍ عند هذه الأزمات:

الفريق الأول، يشتغل بالانكفاء على الذات والعودة إلى الزمن الجميل السابق والتعلق به، والعيش في داخله والخروج من هذا العالم ورفض الحياة الواقعية، لأنها سبَبُ النكبة ومصدرُ القلق الحاضر اليوم، والعودة إلى عالم الكمال السابق الذي كان عليه المجتمع أو الدّين، وهذا هروبٌ من الحياة إلى الوراء زمنيا، نحو التاريخ الجميل، ومن أمثلة ذلك نشاط الرهبنة في المسيحية بعد النكبات التي وقعت على المسيحيين من الدولة الرومانية، في القرون الثلاثة الأولى من الميلاد، وانتشار التصوف الإسلامي في القرنين السادس والسابع الهجريين، بقوةٍ، بسبب النكبات التي وقعت على العالم الإسلامي من المغول، وفي عهود الدول المتتابعة من بعد ذلك.

وهذا الخروج من الحياة الواقعية نحو العالم المثالي -عالم الزهد والقيم- هو محاولة للخلاص بالهرب نحو الماضي، ولو تتبعت ذلك لرأيت أمثلة كثيرة في حياة كثير من الشعوب.

ومجموعة أخرى تتبع الطريق الآخر، وهو الانجذابُ إلى الواقع الجديدِ المعاصرِ ورفضِ الحياة السابقة، والقيم السابقةِ والتخلي عنها، وربما عدّوها سببا في تكوين الواقع المؤلم، وهنا يحدث ما يمكن أن نسميه التخلي عن الماضي والهروب إلى الأمام، ومن أمثلة هذه الظاهرة موجة الإلحاد الديني التي راجت بعد الحربين العالميتين في القرن الماضي، بسبب الآلام التي وقعت على ملايين البشر، فأحدث هذا زعزعة في اليقينيات دفعت نحو الهروب من الواقع إلى الإلحاد، ومن أمثلته انجذاب الشعوب المستعمرة نحو المستعمر فكريا، ولك أن تعجب إذا رأيت أن عددا من المثقفين والمتعلمين من العرب قد وقعوا في الولاء للفكر البريطاني والفرنسي أيام الاستعمار، وتخلوا عن عالم القيم لديهم وعالمهم العربي والإسلامي وقيمه ومفاهيمه، وهذا هروب نحو الأمام وهزيمةٌ نفسيةٌ، ولكن من نوعٍ آخر.

والفريق الثالث مجموعةٌ من الأذكياء الذين يستوعبون الواقع الجديد، تحليلا وفهما، من حيث الفكر والثقافة، ويدركون جوهره، وهم في الوقت نفسه يتمسكون بعالمِهم وقِيمهم ومُثُلهم، ويحاولون التوفيق بين هذا وذاك، فلا يتخلون عن القديم، وينهزمون إلى الأمام، ولا يتركون الواقع الجديد وينهزمون إلى الخلف، بل يندفعون في صياغة توفيقيةٍ وجهادٍ تكوينيّ، محاولين الاستفادة من الجانبين، والتقاطِ أفضل ما في الطّرفين.

ويقوم في المجتمعات –عادة- حراكٌ فكريٌّ، وصراعٌ بين هذه الأطراف الثلاثة، ولعل واقعنا العربي اليوم، وما يتعرض له من هزّاتٍ عنيفةٍ، أحدُ الأمثلة هنا، فهناك من يرتابون في كلّ شيءٍ غربيّ، بل يرفضون الغرب كلّه مادة ومعنى، لأنه يخالف الماضي، ولدينا أيضا أولئك الهاربون إلى الأمام، الذين لا يرون شيئا حسنا في تراثنا وديننا، بل يحملون المعاول لتكسير التراث والماضي ويحثون على التخلي عنه، والتمسك بالحياة الواقعية المدنية بما فيها من منتجاتٍ، وقد يزيد هؤلاء هروبا ويبدأون بجلد الذاتِ والتمرّد.

ويقوم أولئك التوفيقيون، وهم الصنف الثالث، عادة، بدور المصلحين والمتوسطين في الحراك الاجتماعي التاريخي، وأكثر المصلحين والمجددين تميزوا بهذه التوفيقية في الربط بين طرفي الصورة، ولم ينهزموا نحو جهةٍ واحدة، بل بحثوا عن المنافع، ولم يهملوا القيم، ومنهم ابن رشد في توفيقه بين الحكمة والشريعة، وخُذ أيضا الغزالي في محاولته تجديد الدين عبر إحياء القيم، وخُذ ابن تيمية في عملية التوفيق بين العقل والنقل، ومنهم أيضا الشيخ محمد عبده في التقارب مع علوم الغرب مع عدم التخلي عن الإسلام، وخُذ معهم علي عزت بيجوفيتش في دعوته إلى العلوم الغربية مع الاستناد الفكري إلى منظومة القيم الإسلامية، بل إن كل العباقرة المصلحين هم من هذه الفئة، وهم كثر.

أحمد الدبيان

أحمد بن محمدِ الدبيان، مدير عام المركز الثقافي الإسلامي في لندن، رئيس تحرير مجلة Islamic Quarterly الصادرة باللغة الإنجليزية، عضو مجلس الخبراء الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة الإيسيسكو. دكتوراه من جامعة بوخوم بألمانيا في فقه اللغة والدراسات الإسلامية والدراسات الإنجليزية. أكاديمي ومؤلف وكاتب صحفي، له عدد من الدراسات اللغوية حول اللغة العربية وحركة الترجمة بين الإغريقية والعربية واللغويات التقابلية، وعدد من البحوث العلمية والفكرية والإسلامية حول تاريخ الإسلام والعلاقة مع الغرب، مهتم بالخطاب الاسلامي وقضايا الحوار بين أتباع الأديان والتعايش وتطوير المؤسسات الإسلامية في مجتمع الجاليات والأقليات في الغرب، كما قدم عدداً من المحاضرات والأوراق العلمية في الجامعات والمراكز والمؤتمرات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق