برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

«خزّة» لا أخلاقية

«خزَّ» في اللهجة الشرقاوية الدارجة، تأتي بمعنى رمق بغضب، و«يخزّ» أحدهم آخرا عادة لردعه دون ضوضاء، وهذا ما فعلته مع ابني عندما وقعت عيني على إجابة خاطئة له أثناء محاولتي إصلاح خللٍ فني أثناء أدائه أحد الاختبارات.

كان لتلك «الخزّة» دور في التفاته وتعديل إجابته، وهو ما دفعني للتساؤل إن كانت تلك الخزّة أخلاقية؟ فالاختبارات عن بعد، وضعت الجميع أمام اختبار أخلاقي، هل مساعدة الأبناء على الحصول على درجات لا يستحقونها من خلال مساعدتهم أثناء الاختبار يعد عملا أخلاقيا؟ وما معايير الحكم على أخلاقيّة فعلٍ من عدمه؟

تجدد هذا السؤال فرضته الظروف الحالية، وإلا هذا السؤال كان يحضر باستمرار لمساءلة سلوكيات بعض المعلمين المتساهلين في منح درجات لا يستحقها الطلاب، وأذكر أن أحد هؤلاء دافع عن إعطائه الطلاب درجات أعلى مما يستحقون، بقوله إن نتيجة فعله أدّت إلى التحاق أكثر طلابه بكليات الطب والهندسة، وهي غاية خيّرة، وهنا -والكلام لا يزال له- الغاية تبرر الوسيلة ما دامت الغاية خيّرة.

طبعا، هنا يغفل أمثال هذا المعلّم، أن تمكينه لأحدهم للحصول على مقعد في كلية تتطلب معدل درجات عاليا، ليس بالضرورة عملا خيّرا، إذ قد يترتب عليه ضياع فرصة لطالب آخر لم يسعفه حظه ليجد معلما متهاونا في منح الدرجات، كما أن هذه الممارسة -أي منح درجات أعلى مما يستحقها الطالب- تفتح المجال أمام تمكين غير المستحق، وهذا غير المستحق، قد ينتهي به الحال طبيبا أو معلما أو مهندسا أو مسؤولا غير كفؤ، ما يتسبب في ضرر المستفيدين من وظيفته.

أي أن تمكين الطالب عن طريق منحه درجات لا يستحقها قد تجعل منه «الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب» وهي بالتالي ممارسة تكشف عن فساد بذرته هو التمكين اللا مشروع.

عاطفة الوالدين قد تدفعهم لمساعدة أبنائهم وتغافل السؤال الأخلاقي، وتغافل احتمال مآلات فعلهم إلى تمكين من لا يستحق، ليكون في موقع يتضرر منه المجتمع، يبرر بعضهم لا أخلاقية فعله، بالقول إنه إذا امتنع عن مساعدة ابنه، وذلك المعلم أيضا توقف عن مساعدة طلابه في الدرجات، فإن غيرهم سيقوم بذلك مع أبنائهم وطلابهم، وبالتالي فهي ممارسة وإن كانت خاطئة، إلا أنها لا يمكن أن يُمتنع عنها إلا ضمن إطار أوسع، فدون توافق جماعي على تجريم ممارسة ما، سيكون من غير المجدي التوقف عنها وخسارة مكتسباتها والنظر للآخرين وهم يستمتعون بها.

وهنا، يحضرني تعليق إحداهن على «تويتر» في سياق تعليقها على السخرية من الأمهات اللاتي تستعد للاختبار بدل أبنائهن، بقولها إن باقي الأمهات يقومن بذلك، ومن العبث أن تترك ابنتها الصغيرة تنافس باقي الأمهات.

هذا لا يختلف كثيرا عن ذلك الشخص الذي استمعت له وهو يذمّ الواسطة والمحسوبيات، ولم يختلف معي على كونها من أجلى مظاهر الفساد، ولكنه لم يجد حرجا في التصريح بأنه طلب مساعدة معارفه لتوظيف ابنه، من باب «وش نسوي إذا هذا هو الوضع، نخليه بلا وظيفة وأولاد غيرنا يتوظفوا كذا»

منتهى القول هنا: إننا في بعض الإشكاليات الأخلاقية نقع بين خيارين، إما أن نكون أخلاقيين ونتحمل نتائج الفضيلة، أو ننخرط فيما هو غير أخلاقي من باب الواقعية حتى «لا نخرج من المولد بلا حمص».

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق