برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قضايا معاصرة

هل التوظيف والتوطين معضلة؟

هناك الكثير من التناقضات وحالات الغموض، التي تحوم حول واقع سوق العمل الوطني وإشكالياته، سواء ما يتعلق منها بهيكله التنظيمي ولوائحه التشريعية التي عجزت حتى الآن عن تصحيح اختلالات السوق لضبطه، أو ما يتصل بالخلل الأكبر والمتصل بهيكله من الموارد البشرية، الذي يتضاءل فيه وجود المواطن، رغم تراكم مخرجات الابتعاث والجامعات الوطنية والكليات من جهة، ونمو معدل البطالة من جهة أخرى.

عندما توضح لنا الإحصاءات الوطنية بصفة دورية، بيانات مسح القوى العاملة وعدد المشتغلين في السوق الوطني، ونسبة مشاركة المواطن مقارنة بغيره في القطاعات المختلفة، ومعدل نمو البطالة، فإنه يتبادر للذهن بأننا ما زلنا في بدايات مراحل التنمية في السبعينيات الميلادية، تلك الفترة التي شهدت تدفقا كبيرا في الهجرة إلى السعودية وحضورا متناميا لليد العاملة الوافدة، لتسهم في مسيرة البناء والتنمية المتسارعة، في ظل شح الأيدي العاملة الوطنية المؤهلة والقادرة على تحمل مسؤوليات النهوض بالقطاعات المختلفة.

وعند المتابعة لمسيرتنا التنموية التي ابتدأت باندفاع كبير وإنفاق سخي استهدف تحقيق نهضة وطنية شاملة منذ خمسين عاما، يصيبنا الذهول، بأن يستمر ذلك التدفق وذلك الكم من الاستقدام للعمالة الوافدة على نفس الوتيرة والنمط الذي بدأ به، دون التفات لمنجزات كبيرة حُققت خلال تلك الحقبة الزمنية الطويلة، فهناك الآلاف من المخرجات الوطنية من الجامعات والابتعاث والكليات المختلفة، وهناك مئات المؤسسات الوطنية التي يقودها مواطنون أكفاء، وهناك آلاف المليارات التي أُنفقت بسخاء على بناء هذا الوطن بكل مقدراته ومنشآته، وبما يدفعنا للتساؤل: لماذا يكون التوظيف والتوطين معضلة بعد ذلك الإنجاز وذلك الزمن؟ وهل هناك مبرر مقنع لانخفاض مشاركة المواطن في بناء وطنه إلى نسبة 31.9 في المئة بينما يستحوذ غير المواطن على نحو 70 في المئة من الوظائف المتاحة، وذلك بعد نصف قرن من التنمية الحثيثة؟

عندما تجد أن فرص العمل تتضاءل للمواطنين وتنحسر في وظائف معينة ومستويات وظيفية محدودة، وأن الكثير من مخرجاتنا المؤهلة في مختلف التخصصات، يعانون من البطالة، وأن عددا غير قليل ممن يستحوذون على الوظائف المتاحة من غير المواطنين، هم من أصحاب المؤهلات المزيفة والخبرات غير الموثوقة.

في حين إنك تجد أبناءنا المؤهلين، يعانون التجميد والرفض لتوظيفهم، لأسباب غير مبررة، منها الخبرة المطلوبة لحديثي التخرج، أو الدرجات الأكاديمية العالية، لمن لم يسبق لهم العمل؟ وفي المقابل تجد أن معايير التوظيف وضوابطه منحازة لترجيح توظيف غير المواطن، ومعفاة من التدقيق والمراجعة العلمية والمهنية، بل وتعفى كذلك من الاعتماد المؤسسي «كالأطباء والصيادلة والممرضين والمهندسين والمحاسبين وغيرهم» بينما هي ضوابط لتوظيف المواطن، ألا يدعو ذلك إلى العجب؟ وألا يدفعنا ذلك إلى البحث عن مصدر الخلل الذي يحد من منجزاتنا ويهدر مكتسباتنا لعقود مضت؟

ننادي بالتوطين لمهن مختلفة وبنسب خجولة، وندعو إلى خلق فرص عمل وتيسير التوظيف للمواطنين، دون وجود نظام عمل واضح أو محفز وداعم لتوظيف المواطن، أو آلية لمتابعة التوطين الحقيقي وليس الوهمي، أو وجود آلية صارمة للقضاء على نظام التستر لصالح الأجنبي، وبما لا يخدم نمو الاقتصاد الوطني.

يعتقد البعض أن من مسؤولية وزارة الموارد البشرية، توفير فرص عمل للمواطنين، والحقيقة أن ذلك ليس من مسؤولياتها، وإنما هي مسؤولة تحديدا عن وضع نظام عمل، يكفل تيسير توظيف المواطن والتحفيز له، ويحرص على أمنه الوظيفي، كما أنها مسؤولة عن مساءلة كل قطاع لا يطبق أنظمتها وقوانينها، وهي مسؤولة عن متابعة حوكمته وعقابه بالتعاضد مع المؤسسات الأخرى، وهي مسؤولة كذلك عن ضبط عملية الاستقدام للعمالة الوافدة، وتحديدها في فئات معينة ومستويات مختارة يحتاجها الوطن، كما إنها معنية بتقييد أعدادها بما يثبت الحاجة إليه ويفتقده الوطن.

عندما تجد أن الاستقدام ما زال مفتوحا على مصراعيه، وأن التعاقد مع غير المواطن يسير على قدم وساق في كل التخصصات والمهارات والمستويات، ودون تدقيق في معايير مهنية ومتطلبات علمية نتطلع إلى جودتها، وإن المواطن يُهمّش بسبب تراكم الاختلالات في سوق العمل، الذي تولدت عنه كوادر بشرية غير مواطنة، تقود دفة سوق العمل وتتحكم في عملية التوظيف فيه، فإن ذلك يدعونا للتساؤل: لماذا لا تسارع وزارة الموارد البشرية في تحديث جذري لنظام العمل، وتصحيح مدروس لهيكل موارده البشرية المختل؟.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق