برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
TIME OUT

الأوراق المحترقة في الجوارير

كان غيث عدنان يحملُ نصا قصيرا يحكي عن حياته ما بين الحدود اللبنانية، دمشق، هضبة الجولان والتسلط الإسرائيلي في الأسر، أتى في الثالث والعشرين من أكتوبر من شتاء 2008، بحثا عن حاتم علي شخصيا، لم يكن «غيث» قد شاهد من أعماله سوى التغريبة الفلسطينية، صقر قريش وربيع قرطبة.

رغب بشدة أن يكون مخرج فيلمه، فهو وحده من يستطيع أن يسرد تاريخ منطقة ويحافظ على دماء محبيها ويحمي جدائل الحبيبة من غزو البعد والدمار، التقى غيث عدنان وحاتم علي في ذاك المساء الشتوي وطلب منه أن يأخذ النص ويخرجه، النص الذي لم يتجاوز كونه قصة قصيرة لكنها مليئة بما قال عنه حاتم في حينها «صور يصعبُ تجاوزها»

طلب منه أن يبحث عن كاتب سيناريو لينجز له العمل ويعود مرة أخرى إليه، غاب غيث طويلا، ورحل حاتم دون أن ينذر أحدا بذلك، هي صورة تيتمه بعد أن ألقى بها في مجموعة الصحبة، ذاكرا أن جمال الصباح لا يقاوم من نافذته.

رحل مرتاحا من ألمه المتقطع، تاركا أميالا من الأسى لمحبيه ولـ«غيث» الذي حمل الأوراق المحترقة ما بين يديه، يندب ضيق الوقت وسرعته، فلا قيمة لهذا الفيلم بعد رحيل مخرجه، الفيلم الذي لن يرى النور، وحده «حاتم» كان يعلم كيف يدفع البطل المغادر إلى حتفه، ليعيده إلى أرضٍ ما عاد الليمون يتساقط فوقها، وينبشُ معه الماضي العالق في حاضر ذاكرته.

ما كان يرغبُ في يوم ما أن يترك خلفه بعض أعماله في الجوارير يلتهمها غبار الهجر، محبته لدمشق شهد عليها زهر الياسمين المتدلي في طرقاتها الموحشة، سَلَامُ ذهنِه وهو يقرأ التاريخ أتى به حاملا أبديات لن تنسى، شدته في التصوير وقسوته كانت مبررة، فبعد انتهاء كل ذلك يعود مبتسما لمن معه، مستمتعا بما يقرأه عن إنجازه الكامل. ربما وقتنا معك قد انتهى، لكننا لم ننته منك بعد، فقد تركت من الأعمال ما يجعلنا نكتب عنها ونعيد الكتابة مرتين.

حاتم علي لم يكن هينا في إبداعه والمُشاهد لن ينسى حين تتعب الروح وتعلق في الجوفِ غصة حزنٍ على أحداث قصة مسلسل يتابعه، يحب أبطاله، يتعلق بهم، يضحك معهم، يبكي لأجلهم ثم يقسو على أكثرهم شرا، لكن سرعان ما يعود إلى الحنو له، يدنو منهم قربا وبينه وبينهم شاشة مربعة وملايين من الثواني الفاصلة، يشعر بكل هذا من نشأ على مرايا 98 و99، الفصول الأربعة، عائلتي وأنا، الزير سالم، صلاح الدين، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، التغريبة الفلسطينية، الملك فاروق، عمر بن الخطاب، ندى الأيام، الغفران، قلم حمرة، أوركيديا، حجر جهنم، كأنه امبارح، وسيلينا وشغف العشاق في الليل الطويل، وأهوه ده اللي صار.

هذا هو الفيلسوف الشاعري الذي تلذذ بترك الندبات لدى المشاهد، لا يكتفي بإخراج نص دون أن يمارس هوايته في التلاعب على المشاعر التي تراهُ وتسمعه، يتخلى عن الرحمة وهو جالسٌ على الكرسي أمام عدة التصوير، يصدر الأوامر بشراسة معهودة دون أن يفكر بما قد يحدث لهؤلاء المنتظرين من حب، حزن، فراق، ومعاناة يجعلك تستمرُ في الوصول إلى الحلقة الأخيرة متعبا من إبداعه ومجهد من عمق رسائله.

لم يكن بهذه القسوة مسبقا، هذا ما قاله «غيث» في عام 2019 حين كتبت: يبدو أن آخر ما سأشاهده لحاتم علي هو مسلسل «أهو ده اللي صار» لم أتوقع أن ندبه سيعلق بي كل هذا الوقت، لن ألوم الكاتب، فمن يكتب لا تتجاوز مشاعره الورق، لكن من يقوى أن يخلق تلك المشاعر، واقعا ملموسا، إله لم يكترث لوجود عبادٍ كانوا في محراب صلاتهم ساهين.

مسلسل «أهو ده اللي صار» للوهلة الأولى تظن أنه مجرد قصة تحكي عن فترة تاريخية معينة في مصر، وربما تظن أن القصة تتمحور ما بين حبيبين، العاشق الأمير والمعشوقة الخادمة، هذه القصة التي تظهر لك منذ بدء المسلسل، لكن السؤال الذي كان يتردد في الذهن: هل حاتم علي مخرج عادي ليقدم قصة مستهلكة؟ الجواب لا، هناك دائما عمق خفي لديه يجعلنا نصنفُ كل عامٍ أعماله في أول القائمة, فما بين المَشاهد يمهد لقضية ما، قضية تهمنا ما استطعنا الدفاع عنها، قضية غابت في صخب الحاضر، الصخب الذي جعل من سلمى الصحفية ابنة رجل الأعمال الطامع تقع في حب حارس القصر والوريث له، بعد أن دفع بها والدها لعلمه أن ابنته فريسة سهلٌ أن تلقي لها طعما ما لتبتلعه.

من خلال الأحداث تجد أن هناك قضايا تتضح معك، انقطاع الدم الملكي، النسب الموصول من عرق آخر للتوريث، الحيطان التي تخفي خلفها أسرارا حين يتم النطق بها لغير أهلها يهدم العمار الذي بينهما، التاريخ الذي تم تزويره بناء على طلب من يمتلك السلاح الفتاك «المال»

ما أن تغرق هنا حتى يوقظك ألا شيء فوق سلطة المال سوى الحب، حب الحبيب للحبيبة كما حدث ما بين نادرة ويوسف بيه، وحب الجاه كما حدث مع هندية التي دفعت بابنتها أن تتزوج من ابن الباشا، وحب الانتقام الذي جعل من قصر نوار باشا في نهاية القصة يقع ما بين يدي رجل الأعمال فاروق، الذي دخل عن طريق الخطأ إلى داخل القصر وهو طفل وطرد منه، فنبتت في أعماقه بذرة الشر وعدم المغفرة لمن قام بطرده، وقرر أن يعود ذات يوم ويصير صاحب القصر، وحب القصر للقصر الذي لم يعد يحتملُ مرور الأعوام المتقلبة من حوله، فكان آخر ما يؤل به الحال أن يقع متناثرا، فلا وجود لنوار باشا، لا وجود لنادرة الوجود، لا وجود لفريدة هانم أو يوسف بيه نوار، لا يوجد يوسف ثانٍ أو ثالث، مجرد قصة من محض خيال الكاتب، لم تكن ستترك كل هذا الأثر لو لم يكن خلف الكاميرا يجلسُ حاتم علي.

جعلنا نصدق أن لهذا القصر وجودا، لامس بعضا من مشاعرنا، كل منا يراه يشبه تاريخا من بلاده أو ذكرى من ماضيه العالق ما بين حيطان منزلٍ ما زال يتحدى عوامل الزمن والإنسان.

قبل رحيلك قتلتنا كثيرا في عبقريتك في الاختيار وإبداعك في الإخراج، فمن الأقرب نقول للكاتبة دلع الرحبي والأبناء الأعزاء عمرو وغزل وغالية، لا أحد يقدر على أن يجبر ما أصابكم، فكلنا معكم في هذا اليوم، شاحبٌ حزننا، متكئون في انتظار العابرين ليحسنوا عزاءنا.

وإلى المخرج العبقري الأبدي الصديق والغريب حاتم علي، حين نشتاقُ لك سنراك من خلال أعمالك مبتسما بعد موجة غضبٍ عارمة، ولآخر مرةٍ: وداعا حاتم علي.

رباب الفهمي

كاتبة صحفية شاركت في عدد من الصحف والمجلات.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق