برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
دوّار الشمس

«حاتم علي» الذي لوَّن التاريخ

لماذا يُحدث غياب شخصية عامة غصَّة في القلب؟

حقيقة منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها الشريط الأسود يلف صورة الفنان حاتم علي، سكنتني الغصة، ولم أستطع أن أكتب كلمة واحدة، لكن حرقة الغياب تُشعل الأسئلة:

لماذا يُحدث رحيل مُبدع ما هذهِ اللوعة والأسى في الصدور؟ رغم ألا شيء أكثر تكرارا من الفقد والموت في حياتنا؟ لماذا غياب حاتم علي تحديدا؟ هل لأن ذكر اسمه يستدعي كل حنين وأنين «التغريبة» بدءا من شارتها، أم هي «أحلام كبيرة» لربيع جيل كامل ترقب «الفصول الأربعة»؟

هل هو اليقين بأن العالم بحاجة لعيني الفنان وأدواته وروحه كمَعينٍ للجمال، ومُعين على هذا الخراب؟ أم هو الخوف بأن هذا الوقت سيمضي دون من يحفظ لنا ذاكرتنا بكل ما فيها من تفاصيل عابرة؟ وحدها بصيرة المبدع قادرة على إدراكها لذلك وأكثر يُعتبر غياب المبدع خسارة.

أجيال من المبدعين عبرت، خلّدَها نِتاجها، ومحبة الناس لها، لم تُشغِل العالم بيومياتها وتفاصيل حياتها، لم نرهم صباح مساء، لكنهم سكنوا أرواحنا بقدر ما أعطوا نِتاجهم وأعمالهم من أرواحهم.

كتبوا العابر واليومي والهامشي، حفظوا الصورة والنغمة والرائحة ومن ثم قدموها لنا غنية غزيرة عميقة بعيدا عن الاستعراض والـ«life style»

إن الباحث عن ماهية الإبداع يستطيع أن يتلمس صلة الوصل بين الفن والجمال، الذي استطاع أن يُحافظ عليها الراحل في أعماله، وأن يُبقي هذهِ الصلة نابضة وحيّة حتى تصل بتأثيرها للمُتلقي، إذ قيل إنه «قد يوجد الفن ولا يوجد الجمال فيه» وهذهِ هي العلامة الفارقة بين عمل وآخر في تناول قضية ما، حيث يطرح عملان نفس الأمر فنتقبل أحدهما ونرفض آخر، وذلك بمقدار ما يُحافظ على الخيط الرفيع بين الفن والجمال، فلا يخدش ولا يجرح المُتلقي مهما كانت القضية مؤلمة.

ولأنه واحد من أولئك الذين جمعونا من المحيط إلى الخليج، أستطيع أن أجزم أن قلوبا كثيرة دمعت لخبر غيابه.

رحل إذن حاتم علي نموذج الفنان الذي جعلنا نبحث عن اسمه قبل أن نعرف شكله، المُبدع الذي احترم عقولنا وذائقتنا وحرَّضنا بعد كل عمل على البحث والقراءة، جسَّدَ لنا الشعر، ولوّن التاريخ بعد أن كان بالأبيض والأسود، بكل ما يحمل من حدّية وتناقض وإشكالية.

لا تُخلّد المحبة المُبدع بعد رحيله فقط، بل هو يتفاعل في القادم من الزمن أيضا، إنها حكمة الفن وسرّه كفعلٍ خلّاق.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق