برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
وقفات

التنمر الأردوغاني

باسم الإسلام، غزا العثمانيون البلاد العربية واحتلوها في جنوب غرب آسيا وشمال وشرق أفريقيا، بحجة التصدي للقوى المعاصرة لعهدهم من البرتغاليين وغيرهم ولمد نفوذهم وسيطرتهم، فارتكبوا من أجل تحقيق ذلك الكثير من المجازر، ما يعادل جرائم الحروب الصليبية، وربما أكثر في بلاد الشام وجزيرة العرب وشمال أفريقيا، على مدار أربعة قرون، في حق العرب والمسلمين، ثم تركوها مجبرين، نهبا للرباعي الفتاك: الجهل والفقر والمرض والاستعمار.

وعندما تسنم السلطة كمال أتاتورك في جمهورية تركيا بعد تقليم الحلفاء لأظافر الدولة العثمانية، واقتسام ممتلكاتها السابقة في نهاية الحرب العالمية الأولى.

أظهر كمال أتاتورك بعد أن غيّر النظام في إسطنبول من سلطنة إلى النظام الجمهوري، حقيقة هذه الدولة، وكشف الغطاء عن سيرة أسلافه، وأعلن علمانية بقايا «الرجل المريض» منذ العام 1342هـ 1924م، مبتعدا بها عن الإسلام في دستورها وأنظمتها الطورانية.

وها هي سبعة وتسعون عاما تنقضي وعلى عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم، بقيادة أردوغان، الرئيس الثاني عشر لتركيا، الذي كيّف دستور تركيا لمصلحة حزبه، لينفرد بقرارها، وإن تدثر برداء الإسلام، فإنه لا يجرؤ ولن يحاول أن يُضمِّن هذا الدستور مادة تنص على أن دين الدولة الرئيس هو الإسلام، مع أن نسبة المسلمين في تركيا قرابة 97 في المئة فهو مستمر على نهج سلفه أتاتورك، الذي تتوسط صورته قاعة مكتبه الرئاسي.

مع أن حكام تركيا يدعون أنها وريثة دولة الخلافة الإسلامية وتناصر القضايا الإسلامية، وهي الآن من ضمن سبع وخمسين دولة تحت راية منظمة التعاون الإسلامي، ثاني مؤسسة أممية بعد هيئة الأمم المتحدة في عدد أعضائها وتجمعها تجمعا دينيا، ومن أهدافها التي تعهد جميع أعضائها الالتزام بها ومنهم تركيا قبل أردوغان: احترام السيادة الوطنية لجميع الدول الأعضاء واستقلالها ووحدة أراضيها وصونها والدفاع عنها، واحترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، واحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو في هذه المنظمة.

فلقد تنكر أردوغان لهذه الأهداف ونحّاها من أجندته كرئيس مسلم، واتخذت سياسته الأردوغانية وجهين: «وجه الحَمَل الوديع» المتوسل أمام الاتحاد الأوروبي لرغبته الانضمام لهذا الاتحاد، وخشيته أن يتم طرد بلاده من حلف الناتو، إن جعل دين بلاده الرسمي الإسلام و«وجه البطش المتنمر» في ثياب جنون العظمة، بتعدِّيه على بلدان الجوار العربية الإسلامية العراق وسوريا وليبيا، مستغلا أحوالها غير المستقرة، فأسهم في تفكيك وحدتها وتدميرها مع سبق الإصرار والترصد، مكررا سياسة أسلافه المقبورين، ولم يجد من يرْدَعه عن غيّه حتى الآن.

غازي الفقيه

غازي أحمد الفقيه كاتب ومؤرخ، نشر في عدة صحف ورقية وإلكترونية ماجستير تاريخ حديث ومعاصر له كتابان مطبوعان: * تاريخ القدس الشريف من 1917 _ 1948 * القوز تاريخ المكان وسيرة الإنسان.. دراسة تاريخية اجتماعية حضارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق