برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
خارج التغطية

أستاذي.. علمني الكذب!

دخل الأستاذ الفصل وكتب المادة والموضوع ثم التفت إلى طلابه فقال: اليوم نتحدث عن الصدق تلك الخصلة التي تدخلنا الجنة، وأخذ يستطرد في الحديث ولم يقطع صوته سوى طرق خفيف على الباب، وإذ بطالب يطل من فتحة الباب، أستاذ لو سمحت هل عندكم مساحة؟ التفت إليه وقال: لو سمحت أغلق الباب ليست لدينا مساحة، ثم أقبل على حديثه فيما كانت أعين طلابه تناظر تلك المساحة المجاورة لحقيبته.

الطالب لن يسجل شريط المعلومات القولية لهذا الدرس في عقله الباطن، بل الذي يُسجل ويبقى هو التصرف وتصريف الطالب بالكذب، فهو الموقف الأكثر بقاءً في ذهنية من حولك.

وقريب من هذا ذكر غازي القصيبي في كتابه «حياة في الإدارة» موقفا لأحد مدرسيه، إذ يقول ما معناه: كان يفتش علينا أحد الأساتذة في المدرسة، ويفاجئك بسؤاله: هل استحممت؟ فالطالب الذي يقول نعم حتى وإن دلت القرائن على أنه لم يغتسل من أسبوع ينجو من العقاب، بينما الطالب الذي يقول لا، وإن كان نظيفا يهوي على يديه بالعصا، ويقول «القصيبي»: علمنا هذا الأستاذ أن نكذب كي ننجو من العقاب.

أحيانا نقول أشياء لكن أفعالنا وتصرفاتنا تناقضها وتتعاكس معها، والناس في المجتمع لا يأبهون بالكلام والتصريحات، بل يهمهم الفعل والعمل، وقديما قالوا «الرجال بأفعالها» وهذا المقياس في كل نواحي الحياة، فحتى تصريحات المسؤولين لا قيمة لها بدون أفعال.

وقضية أن نقول ولا نفعل، ليست حصرية على المدرسين، فحتى الآباء قد يهدمون القدوة، التي يفترض أن يمتثلوها مع أسرهم وأولادهم، ولربما سمعت عن طفل فتح الباب وقال بالبنط العريض لمن سأله عن والده «أبوي يقولك مو موجود» هذه الصورة ستلغي دروس الأب التي يلقيها على أولاده في الحث على الصدق.

إن الازدواجية بين القول والفعل بشكل عام وعدم امتثال ما نقوله وما نحث عليه، يغرس في نفس الأطفال أن ما يقال شيء وما يفعل ويمارس شيء آخر، وأن تلك القيم ما هي إلا للحفظ أو الاختبار في المدارس، وأنها غير قابلة للتطبيق، وهذا منحنى خطر في التربية يا سادة.

علي العمري

علي بطيح العُمري، كاتب صحفي، مهتم بالشأن الثقافي والاجتماعي وتطوير الذات نشر في عدد من الصحف والمجلات السعودية والعربية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق