برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

الكمان و«دفتر أبو أربعين»

بمجرد إعلان وزير الثقافة -عبر حسابه في تويتر- صدور أول ترخيص لمعهدين موسيقيين في السعودية، قفز أمامي موقفٌ تعرضت له قبل ثلاثة عقود، حين طلب منا معلمُ الصف الثالث الابتدائي إحضار «دفتر أبو أربعين» كما كنا نطلقُ عليه، ولا أدري هل لا يزالون يطلقون عليه ذات الاسم أم لا؟

ليس مهما، المهم أن الدفتر الذي اشتريته كان تظهر على غلافه صورة كبيرة لآلة الكمان، جُنّ جنون المعلمِ بمجرد أن وقعت عينه على صورة الكمان، أتذكرُ بأنه وبخني كثيرا أمام أصدقائي ووضعني أمام خيارين: إما استبدال الدفتر أو طمس صورة الكمان.

كطفلٍ في تلك السنّ أظن أن عقلي كان أكبر من عقل المعلم، اخترت مبدأ السلامة وخصصت ذات الدفتر ذا الكمان لمادة أخرى، وأحضرتُ للمعلم «دفتر أبو أربعين» بدون آلة كمان.

يستطيعُ المعلمُ أن يطمس صورة آلة، لكنه لا يستطيعُ أن يطمس ذائقة، ظللت أستمع لمعزوفات تطلقها تلك الآلة الجميلة على مدار السنين. واليوم، ماذا يعني الترخيص لمعاهد موسيقية؟ على الصعيد الشخصي، هذا يعني أن ابني سيستطيعُ الذهاب غدا إلى المعهد وفي يده آلة كمان حقيقية، دون أن يخشى توبيخا من معلم، كما وُبّخ والده في زمن مضى.

أما على الصعيد الجمعي، فهذا يعني فتح آفاق جديدة للاستثمار في قطاع الثقافة والفنون، ويعني إيجاد مؤسسات أكاديمية متخصصة تنتقل بالموسيقى والموسيقيين من الهواية إلى الاحتراف.

ومن الاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المؤطر بأنظمةٍ وقواعد واضحة، كما أنني لا أعتقدُ بأن دور هذه المعاهد سيتوقف على البعد التدريبي للأفراد على الآلات فقط، بل أتمنى حقا أن تتحول إلى مؤسسات بحثيةٍ وأكاديمية تتعامل مع الموسيقى في سياقات أعمق وأبعد، توثقُ للموروث وتسهمُ في صناعةٍ موسيقية ذات بصمةٍ مميزة وقادرةٍ على النجاح والانتشار والمنافسة عالميا.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق