برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رشحة من مداد

بل عِرضُه كالنجوم ارتفاعا وسموّا

كنّا في مقالةٍ سابقةٍ عن صحيح البخاري قد قلنا إنه لا بأسَ بالنّقد ما دام النقدُ قائما على أصولٍ علميةٍ لا على التشهّي والمصادرةِ، أذكّرُكم الآن بهذه المسألة بعد أن رأيت مقالة هنا عن حادثةِ الإفك التي اتُهمتْ بها أمُّ المؤمنين الطاهرةُ عائشةُ بنت الصّديق -رضي الله ُعنها- للكاتب أحمد هاشم، وقد أرادَ الدّفاع عن عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- فأبعد النجعةَ، وانطلق مشككا في حديثِ البخاريّ بطريقةٍ سوف أعرضُها بإيجازٍ.

أبدأ بعنوان المقالة، وهو «انتهاكُ عرضِ رسولِ الله» وهذا عنوانٌ صادمٌ قُصد منه جذبُ الانتباه، ولكنه لا يخلو من سوء أدبٍ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان أغناه عن هذا، كان يجب أن يقول «ضعفُ حديث الإفك أو بطلانُه عنده»

الثانية: وهي أنه قال «حادثةُ الإفك لم تظهر في البخاريّ في بادئ الأمر، بل أولُ من ذكرها محمدُ بن إسحاق» مع أن رواية البخاري هنا ليس لها علاقةٌ بابن إسحق، بل رواه البخاريُّ بسندِهِ إلى ابن شهابٍ الزهريّ عن جماعةٍ عن عائشة. وابنُ شهابٍ إمامٌ كبيرٌ، وهو أحدُ شيوخ ابن إسحق. ولم يسُق البخاريُّ الحديثَ من طريق ابن إسحقَ ! بل قد روى الحديثَ عند مسلمٍ زميلان لابن إسحق من تلاميذ ابن شهاب وأوثق منه، وهما يونس بن يزيد ومعمر بن راشد. فترك الكاتبُ سندَ البخاري وسند مسلمٍ، لأنه لا مدخل له عليهما من حيثُ الرجال، ونزل بسكّين الجرحِ على ابن إسحق المسكين، وهو ليس في السند أصلا، وهذا غريبٌ عجيبٌ.

والثالثة: نقل الكاتبُ جرحَ العلماء لابن إسحق- رحمَه الله – وتغافل مرة أخرى عن تقوية طائفةٍ من العلماء له في المغازي والسيرة خاصة، وهذا منها. وهم علماءُ أئمةٌ كالشافعي وابن حبّان والذهبي وغيرهم. وهذا نقدٌ غير نزيهٍ.

الرابعة: ذكر الكاتبُ أن الرّسول الكريم خطبَ على المنبر طالبا رأس من تسبّب في تلك الرواية وهو عبدالله بن أبيّ. وهذا لم يقعْ في القصّة أصلا، بل استعذرَ النبيُّ، فقال «من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي» فأين هذا من القتل؟ وكلامُه قذفٌ والقذفُ حّدّه الجلدُ، وليس القتلَ. وقد جَلَدَ النبيُّ الكريم بعد نزول القرآن أصحابَ الإفك وهُم جماعةٌ.

أما ما ذكرَه من تساؤلاتٍ صغيرةٍ متفرقةٍ فأمرُه سهل:كيف نُسيت عائشة في الصحراء؟ وكيف لم يفتقدْها الرسول الكريم؟ وكيف تأخّرت والبحث عن العقد استغرقَ نصف ساعةٍ؟ كذا قال.

ولو أنّه قرأ شرحَ الحديثِ في فتح الباري للحافظ ابن حجر لوجدَ الجوابَ عن كل هذه التساؤلات الصغيرة التي أطلقها، بل وأكثر منها.

وسؤاله: لماذا لم يذكر القرآن الكريم عائشةَ صراحة؟ جوابُه: أن هذا هو أسلوبُ القرآن. لماذا لم يذكر أيضا اسم خولة بنت ثعلبة في آيات الظهار؟ ولماذا لم يذكر اسم أزواج النبي في سورة التحريم؟ وغيرهنّ كثير. وسببُه أن العبرة بالعموم، أي لكي نفهم أن التّوجيه القرآنيّ عامٌّ للأمّة كلّها.

وأختمُ بقول الكاتب «إن علينا إعادة قراءة الروايات لنتجاوز ما يسيء إلى رسول الله وعرضه» ومع موافقتي على مبدأ النقد العلمي عموما، لكن قوله هنا هو قولُ من لم يفهم المغزى الشرعي، فالقصةُ واللهِ شرفٌ لعائشةَ أن الله برّأها في القرآن الكريم. والقصةُ شرفٌ لنا ومفخرةٌ، لأنّها أظهرت الموقفَ الشرعيَّ الصحيحَ عند الشّكّ والامتحان. وهي أن نتطلّبَ الدليلَ الشرعيّ.

وسأسأل الكاتب: هل تعرفُ على ظهر الأرض حينذاك، أو في يوم الناس هذا، رجلا يمرّ به هذا الموقفُ المؤلمُ وبعرضِه، ويقف هذا الموقف الطالب للحق، ويبحث عن الحقيقة ويحقّق بتمهّلٍ وتأنٍ كما فعل النبيّ الكريم؟

أعتقد أنّك توافقني أنّه لو حدث هذا في عصرنا بعد 1400 عامٍ لقتلَ المرأةَ زوجُها وبعضُ أهلها لمجرّد الشكّ فقط. وهنا فقط تأتي العبرةُ في الامتحان الإلهيّ والتشريع، وتبرز عظمةُ الدّرس النبويّ البشري. فليتنا نفهمُها، ونترك ابن إسحق مرتاحا في تربتِه في بغداد.

أحمد الدبيان

أحمد بن محمدِ الدبيان، مدير عام المركز الثقافي الإسلامي في لندن، رئيس تحرير مجلة Islamic Quarterly الصادرة باللغة الإنجليزية، عضو مجلس الخبراء الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة الإيسيسكو. دكتوراه من جامعة بوخوم بألمانيا في فقه اللغة والدراسات الإسلامية والدراسات الإنجليزية. أكاديمي ومؤلف وكاتب صحفي، له عدد من الدراسات اللغوية حول اللغة العربية وحركة الترجمة بين الإغريقية والعربية واللغويات التقابلية، وعدد من البحوث العلمية والفكرية والإسلامية حول تاريخ الإسلام والعلاقة مع الغرب، مهتم بالخطاب الاسلامي وقضايا الحوار بين أتباع الأديان والتعايش وتطوير المؤسسات الإسلامية في مجتمع الجاليات والأقليات في الغرب، كما قدم عدداً من المحاضرات والأوراق العلمية في الجامعات والمراكز والمؤتمرات الدولية.

تعليق واحد

  1. بيض الله وجه الاستاذ الدكتور أحمد على تصحيح الكاتب من حيث الرواية والأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرد بايجاز كون المقالات الصحفية لا تحتمل الرد المفصل. والشكر لصحيفة تفسح المجال للقراء للاستفادة من قمة في اللغة والادب والتاريخ والعلوم الاسلامية.

    فايد سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق