برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

جدل التهنئة بـ«أعيادهم»

مع مطلع كل سنة ميلادية، يدور نقاش حول مشروعية التهنئة برأس السنة التي تعتمد ميلاد المسيح بداية لها، ويدور الجدل أيضا حول تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد أيضا، وتذهب النقاشات مذهبا عقديا صرفا في أغلب الأحيان، حيث تستدعى الآراء الفقهية المعروفة، كما تتم في العادة الإشارة إلى عقيدة المسيحيين في السيد المسيح، وعقيدة التثليث، وبالتالي الطعن في تهنئتهم لأنها تضمر الإقرار بعقيدتهم.

وأنا لست هنا في مقام الفتوى، وليست وظيفتي هي بيان الحكم الشرعي، ولكن من الضروري فتح مساحة تفكير حول هذا الموضوع وغيره من الموضوعات المرتبطة بالآخر، وتعاملنا مع ذلك الآخر، وهذه المساحة ضرورية حتى للفقيه ليعيد التفكير في أبعاد أخرى تتعلق بفتاواه مع الآخر.

ولنقاش هذه المسألة الحسّاسة دينيا، سأنقلها من المجال الفقهي إلى الفكري، في محاولة لفهم سياقات المنع الفقهي، ففي تصوّري، أن التفاعل مع الآخر المخالف، لا يتجاوز في ثقافتنا كونه آخر دينيا، ولم نعبر نحو اعتباره آخر حضاريا، وهذا التغيّر في النظر للآخر، مردّه إلى أن التفكير الديني لا يزال يرى نفسه في إطار لحظة التأسيس، وبالتالي ينظر للمختلف معه في الدين، كمنافس وجودي له كما كان الأمر في صدر الإسلام.

من الطبيعي أن تحيط ولادة الإسلام ظروف عدائية تمنع تمكّن دعوته في محيطها الجغرافي في تلك اللحظة الزمنية، ومن الطبيعي أن يتملّك المسلمون آنذاك، كجماعة دينية ناشئة، آليات للدفاع عن نفسها مقابل ذلك العداء الذي ناصبهم إيّاه المختلفون معهم دينيا، قد تشمل تلك الآليات ما يروى عن التضييق عليهم في الطرقات، وألا تعلو بيوتهم على بيوت المسلمين، فهذه التدابير -على فرض صحتها- تتحدث عن سياق التأسيس والحاجة إلى فرض وجود الجماعة المسلمة آنذاك في بيئة عدائية.

ولكن الإسلام عبر لحظة التأسيس، إلى لحظة البناء والحضارة، وأسهم في تأسيس حضارته فلاسفة وحكام ومبدعون، انفتحوا حضاريا على الثقافات المجاورة وعملوا عبر الترجمة على الإسهام الحضاري، ولم يعد الإسلام في غضون أكثر من قرنين على ظهوره مجرد دعوة دينية، بل أصبح حضارة إنسانية صاعدة تتمدد جغرافيا وتسهم في شتى العلوم واستمرت كذلك لقرون.

هذه الحضارة تمثّلت في الاجتماع السياسي الصاعد والمنتظم، والفنون والآداب والفلسفة والمعمار الذي لا يزال شاهدا على التمكّن الحضاري، وطوال تلك الفترة، لم يكن الشعور العام لدى أسلافنا بأننا جماعة متوترة تحت التأسيس، بل حضارة تمتلك الإمكانيات لتتمدد طولا وعرضا، ولكن التراجع الحضاري، أعاد الشعور العام بمأزومية الجماعة وتهديدها الوجودي.

هذا الشعور هو الذي يدفع للتوتر من ذلك الآخر، ويدفع للتوتر -حتى وقتٍ قريب- من اعتماد تقويمه في التنظيم البيروقراطي، نعم، لم تغادر تلك العقلية لحظة التأسيس، ولا تزال تنظر إلى الدين كتصور عقدي فقط، ولا تنظر له كواقع حضاري تبلور عبر خمسة عشر قرنا ولا يمكن تمييعه فضلا عن إبادته.

الحضارة الإسلامية تحضر في رياضيات الخوارزمي، وبصريات ابن الهيثم، وفلسفة ابن رشد، وتفكير ابن خلدون، وتحضر في ثقافة شعوب وإن صنفتها المركزية الأوروبية كعالم ثالث، إلا أنها تمتلك مقومات النهضة.

الانفتاح على العالم وثقافته يتطلب التفاعل مع ذلك الآخر بوصفه الند الحضاري، بعيدا عن تسييجه في إطار عقيدته التي تخفف هو أصلا من حمولته، ولم يعد الدين يمثل بالنسبة له عقيدة صلبة، بقدر ما هو تأويل وجودي وأخلاقي، لكننا لا نزال نتعامل معه وفق اعتبار عقيدته التي تبناها أسلافه في اللحظة المساوقة للحظة نشأة ديننا.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق