برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رأي أعمق

صنوف التخلي

يبرع الإنسان في خلق الأعذار لنفسه ولبني قومه، وتتفجر عنده طاقات إبداعية في المكابرة بينه وبين ذاته، وفي ردم الشعور بالذنب الذي لم يلبث أن انبجس حتى قضي عليه، في آية من آيات الجحود البشري تجاه خلق الله ومخلوقاته، ويتعدى الأمر إلى أن ينافح مدافعا عن سوء صنيعه، لأن نفسه قد زينت ذلك الصنيع له، فظن أنه فاعل للخير، ظلمات بعضها فوق بعض.

يتجلى كل ذلك في شكل من أشكال كثيرة للالتباسات الأخلاقية التي قدمت بها المقالة، وهو الظلم تجاه ضعاف الخلق من البشر، والظلم الأنكى تجاه ضعاف المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد.

ففي قصصهم ما يشيب له الرأس، وتلك القصص هي فقط ما يصل إلينا وما يتناهى إلى سمعنا، فما بالك بما لم يُرو من صنوف النكران وأكل الحقوق والتغافل المتعمد، والتأخير الذي يدفع أولئك الضعاف إلى أشكال من التذلل التي قد حدتهم عليها طباع بشر لم تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا، وإن عرفت فقد صارت قلوبهم مصمتة لا مكان فيها لمشاعر إنسانية.

ذلك شكل واحد والأشكال تتنوع بما يحيط به المنطق وبما لا يستوعبه عقل ولا منطق، لكن كل ذلك قد يهون -والهوان هنا قد يعني الإهانة- بشكل أو بآخر أمام ما يحصل للمخلوقات التي تشعر بكل ما نشعر به، لكنها لا تملك من وسائل التعبير ما نملكه، ولا من وسائل الدفاع أمام وحشيتنا ما نملكه من أسلحة نوعية تصيب بكل دقة الهدف إن كان القتل أو التسميم أو حتى التهجير في بعض الظروف، فنحن قد صنعنا ما يبيد بني جلدتنا، فلا غضاضة إذاً في إبادة كل ما يدب على الأرض ويطير فوقها طالما لا تبعات لما سنصنعه ولا رقيب ولا شهود، أشكال ممنهجة من الإبادة والتسميم بشكل رسمي ومن جهات رسمية، حكايات يومية أمام محال الحيوانات الأليفة ترويها نظرات القطط التي من هول الصدمة لا تقوى على أن تخطو خطوة نحو أي اتجاه، بعد أن اطمأنت لعائلة ومسكن ظنته هو العالم الذي ستقضي فيه بقية عمرها.

ريان قرنبيش

ريان أحمد قرنبيش، متخصص في الأدب الإنجليزي، كاتب رأي في عدد من الصحف، مهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، له مؤلف تحت النشر.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق