برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
هتان

وهم الذات وتطويرها

بلغت كتب تطوير الذات ومحاضراتها في السنوات الخمس الماضية ذروتها، في عالمنا العربي، فأصبحت لها مراكز متخصصة، وتتسابق المكتبات لترجمة تلك الكتب التي يستهلكها الغرب بالملايين لتتم إعادة تقديمها كما هي دون أي تغير يذكر، وذلك بعد أن فشلت المخيلة العربية في تقديم أي كتاب يعالج أعماق الإنسان ومشاكله الداخلية، إذ إن مثل هذه الكتب والمحاضرات تدعم وتدفع الإنسان في الغرب لتغير مسارات حياته ويستطيع من خلالها ملامسة واقع يعيشه هناك، بدون أي محبطات تستنزفه أو تمنعه من تحقيق أحلامه الخاصة، فلا يصطدم بأسرة رافضة لطريقة تفكيره، ولا مجتمع يتناول أدق خصوصياته ومواعيد نومه كما يحدث في الشرق.

لست بصدد عمل مقارنة ما بين المجتمعين الغربي والشرقي، ولكن الاستنزاف الذهني والفكري الذي يصنعه «المقلدون» يجعلنا نتساءل في أي طريق نحن سائرون؟ وما الذي يجعلنا نترحم على الماضي مقابل الحاضر، ونتحسر على تلك الأيام البسيطة التي سبقت غزوة وسائل التواصل الاجتماعي؟ حيث إن الآباء والأجداد على بساطتهم لم يعانوا من مثل تلك المشكلات، وكانت خطواتهم واضحة ويقدمون الرؤية بدون تردد، فتجدهم في المجالس يتداولون الأوضاع المجتمعية يتحدثون وكأنهم متخصصون في العلوم النفسية والسلوكية، حيث إن تلك الذهنية لم تنشغل كثيرا بالمؤثرات اليومية.

وحينما جاء التعليم أصبحت الثقة أكثر بأن العلوم المدرسية والجامعية ستقدم لنا نموذجا يستطيع اختراق الصفوف المتقدمة، ويعبر الواحد منا عن وجهة نظره بثقة متكاملة دون الهروب من المشكلة، وذلك من خلال إيجاد حلول علمية لها، ولعل هذا كان واضحا في جيل السبعينيات والثمانينيات من قرننا الماضي، فكان التعليم رغم بساطته المنهجية يعتمد على المعلم المؤهل، الذي يعتمد الحوار غير الممنهج مع الطالب، ومنذ منتصف الثمانينيات بدأت الأجيال تتراجع جيلا بعد آخر، فأصبحت نادرا ما تجد بينهم من يقدم لك حلولا ناجعة لمشكلات جوهرية، وقد نعيد بعضا من أسباب تلك الإشكاليات المجتمعية التي مرت على الأجيال بسبب تدني مستويات المعلم في المدارس النظامية وتكدس الطلاب في الصف الواحد، ويعود ذلك لعدم اهتمام الجهات الرسمية بتأهيل من يذهب للتدريس من خلال منحهم دورات خاصة بالمعلمين، وقد وجد بعضهم نفسه معلما دون أن يكون ذلك من بين طموحاته.

لذا نجد أن عطاء بعضهم أصبح أقل جودة من الآخر بسبب عدم التأهيل –كما سبق ذكره– وانشغالهم بكتابة التقارير لإدارة التعليم وإرباك الطالب في مناهج متغيرة بشكل سنوي، فيغيب حينها الحوار بين المعلم والطالب والتركيز على المنهج المطلوب إنجازه.

لذا أصبح لدينا جيل من المترددين في اتخاذ القرار -إلا ما ندر– ولا يملك رؤية واضحة معتادا على الهروب من مشكلاته اليومية، بدلا من حلها، ما جعل بعضا من هذا الجيل يحاول تعليم نفسه عبر تلك الكتب –تطوير الذات- التي تتحدث عن بناء الشخصية وعناصر قوتها وجذبها، أو لجوئهم للمراكز تدعى الاختصاص، وتمنحهم شهادات وهمية تزيد من حالة إرباكهم في معرفة ذواتهم وحل مشكلاتهم.

أما البعض الآخر فنجده معتادا على الهروب من أي مشكلة تواجهه من خلال خلط الأوراق واستحضار قضايا وقصص سابقة، حتى تجدنا في حالة من التيه ولا نعلم ماذا هناك.

علينا أن نبحث في جذور المشكلة التي قد تواجهنا وعدم الذهاب إلى قضايا أخرى، وحينما نجد أحدهم يحاول إقصاءنا عن المشكلة الأساسية علينا أن نعيده ولا نغرق معه في قضايا جديدة، ونسيان ما نحن فيه، والبحث عن الحل الصحيح، وليس الذهاب إلى المسكنات، أو المراكز التي تضع العناوين الرنانة، كي تستقطب البسطاء من خلال شخصيات يحملون شهادات وهمية في الاختصاص.

ومسؤولية أخرى تقع على عاتق من يقوم بترويج تلك الكتب «فن التعامل، فن الكتابة، فن الحديث، فن البناء» وجميعها فارغة من كل الفنون ويتحدث بعضها عن ذوات تورطت بالإدمان، ثم خرجت، وأخرى تتحدث عن شوارع منهاتن، ومشاكل مجتمعية تعاني من العزلة.

خلاصة ما نريد قوله: إن الكثير من الكتب التي أصبحت اليوم تغزو أسواق المكتبات أو المواقع الإلكترونية بحاجة لمراجعة جادة، ليس فقط من المسؤول بل من قبل أصحاب المكتبات أنفسهم فيما يروجون لنا، وليس كل كتاب كان أكثر مبيعا في الغرب، يجب أن يكون الأكثر استهلاكا في الشرق.

كل واحد منا يملك بوصلته في أعماقه، فقط علينا أن نفتح قلوبنا للهواء النقي، وننطلق في مسارات لتحقيق الأهداف التي نصبو إليها.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق