برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رجع الأفياء

علينا أن نعترف

علينا أن نعترف بأن الطريق تسير من تحت أقدامنا بوتيرة أسرع، وعلينا أن نختار بين مجاراة الطريق أو الترجل أو التعثر -لا سمح الله- وعلينا أن نعترف بأن العلم الذي أنتج حاسوبا آليا قد أخرج «عفريت من القمقم» وعلينا أن نعترف بأن ذلك الحاسوب قد أخرج من تحت عباءته عشرات المنتجات غيّرت الكثير مما ألفنا، ولعل الحكومات قد تقدمت كثيرا على شعوبها -من المتعلمين ومن غير المتعلمين- فتحولت إلى حكومات إلكترونية ودّعت فيها الورق بإقدام وإصرار عجيبين.

دخلت بدروم أبي فعثرت فيه على صرّة كبيرة ظننتها مالا، وعندما فتحتها وجدت فيها لفائف من فواتير مختلف ألوانها، منها ما هو للكهرباء ومنها ما هو للهاتف ومنها ما هو لدوائر خدمية أخرى، قلبت اللفائف في يدي فأدركت أننا قد انتقلنا نقلة كبيرة دون أن نشعر، وأدركت أن عصر الورق قد ذهب ولن يعود إلا أن «يبور» الحاسوب وهذا لا أظنه سيحدث أبدا.

بار الورق وأفلت شمسه غير أن شريحة من الناس ما تزال متشبثة به، فهناك إدارات حكومية وهيئات خدمية ما تزال تعطي خيارا للورق وعشّاق الورق، والأخطر من ذلك دور النشر التي ما تزال تغذي المطابع بالكتب، والمطابع التي لم تشبع بعد من التهام الورق، والمؤلف الذي يتعلل بحجج كثيرة ليبقى الورق سطحه المفضل الذي ينثر عليه أزاهيره، والمعلن الذي لا يرى بديلا عن الورق في نقل رسالته للمستهلك.

فهل ستكف الإدارات والهيئات عن تقديم خيار الطباعة الورقية لمراجعيها؟ هل ستتوقف آلاف المطابع عن طباعة الكتب والمجلات الورقية؟ هل سيقبل المؤلف بكتاب على شاشات الحاسوب ورفاقه؟ هل سيقبل المعلن بإعلانات تحركها الأباهيم على شاشات الهواتف النقالة؟

نعم سيقبلون بذلك لأن الطريق يسير من تحت أقدامنا بوتيرة أسرع، وعلينا أن نختار بين مجاراة الطريق أو الترجل أو التعثر، أما ركام الأوراق في بيوتنا فمن المستحسن أن نحتفظ بها في متاحف شخصية للفرجة والاعتبار، أما أنا فقد قررت بيع ما لدي منها لأي من مجانين النوستالجيا وعشاق أزمنة الطيبين.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق