برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
وقفات

رسائل علمية للتخزين

قال لي: اضطررت أن أمضي عدة أيام لغرض بحث علمي، في المجال التربوي، وأن أدلف بعدة زيارات متعاقبة إلى قاعة إحدى مكتبات الرسائل العلمية، في كلية تربوية، بإحدى الجامعات العتيدة، باحثا عمّا أدعم به موضوعا بحثيا، ودراستي، بالجديد والمفيد، مما يقع تحت يدي من مراجع أكاديمية محكمة تحكيما أكاديميا.

وأخذتني الدهشة للكم الكبير المتواجد على رفوف تلك المكتبة، التي يعلو بعضها الغبار وكثرة العناوين التي تراكمت على مدى عقود زمنية فائتة.

ثم أضاف: وبالتأكيد قد بَذل فيها أصحابها جهودا مضنية كانت كلفتها وقتا ومالا وقلقا، حتى نال كل صاحب دراسة فيها بغيته وحاز درجة الماجستير أو الدكتوراه التي سعى من أجل تتويج مسيرته العلمية بإحداها أو بهما معا.

لكن ارتسمت في مخيلتي علامات استفهام استعصى عليّ قبول إجاباتها السريعة، وأُسقط في يدي بعد الاطلاع على فهرس بعض الموضوعات والمحتويات لبعض تلك الرسائل التي قُبلت ونُوقشت وأُجيزت في القسم المختص بالكلية، وحصل الكثير من أصحابها على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.

فقلت وماذا في ذلك؟

قال مدللا على ما يقول: يكفي أن أشير إلى وجه الغرابة المحيّر في الاعتماد والإجازة لبعض تلك العناوين، فخذ مثالا: فمن باحث يختار دراسة عن «واقع إعداد دروس مادة القراءة أو التعبير أو الإملاء أو العلوم أو الرياضيات في الصف الرابع ابتدائي، في 30 أو 50 مدرسة، من وجهة نظر المعلمين والمشرفين والمديرين، في مدارس محافظة جنوبية ما بالسعودية»

وباحث آخر وبنفس القسم والكلية، يختار ذات الموضوع، ولكن يغيّر مكان تطبيق الدراسة فيختار محافظة شمالية مثلا.

ويضيف: ولعلمي بطريقة مطبخ تصميم استمارة الدراسة الميدانية لعينة الدراسة مع المشرف على الرسالة، الذي قد يكون هو نفسه من أشرف على رسالة شبيهة بنفس الموضوع، ثم تحكيمها وإقرارها والإذن للباحث بتطبيقها في الميدان، إلى جمعها بالاستعانة بصديق أو عدة أصدقاء، وتفريغ محتوياتها ثم تحليلها وفقا للتحليل الإحصائي اليدوي، أو بواسطة برنامج الإكسيل «EXCEL» ومن ثم الخروج بتوصياتها النهائية وطباعتها، تكملة للإطار النظري الذي يحتل 50 في المئة من حجم الدراسة، الذي يكاد في مجمله يكون استنساخا «حذو القذة بالقذة» من دراسة أخرى، إلا من عناوين فرعية وبعض ملخصات موجزة من الدراسات السابقة تحملها صفحات تلك الدراسات المتشابهة.

ويضيف ممتعضا: ما حصيلة نتائج دراسة من هذا النوع سوى أنها لا تحمل جديدا يضاف للمعرفة بصفة عامة، ولا عائدا على العملية التربوية والميدان التربوي بصفة خاصة، يمكن به تطوير وإثراء إعداد دروس هذه المادة المختارة أو تلك، وهو ما يُعدُ شرطا مهما لإنجاز كل دراسة جامعية وفقا للمنهج العلمي الرصين.

وتعود نتائج تلك الدراسات المتوقعة من وجهة نظره لأسباب جوهرية كما يراها بقوله: إن جميع مدارس السعودية في التعليم العام تطبق فيها مناهج دراسية واحدة، والبيئة التعليمية تكاد تكون نفسها في جميع أنحاء السعودية مع فروقات طفيفة لا تذكر، وإن معلمي تلك المواد المختارة للدراسة هم خريجو مضامين تربوية واحدة بإعداد شبه واحد دَفعت بهم للميدان التربوي كمعلمين، وإن نظام التعليم المطبق في جميع مدارس السعودية نظام واحد.

وإن الاختبارات تؤدى بنظام واحد ومقنن بلوائح معتمدة من وزارة التعليم، والمشرفين التربويين يسلكون في تقييم أداء المعلم وفق آلية موحدة، ناهيك عن اعتماد الكثير من المعلمين لإعداد الدروس على الإعدادات الجاهزة، التي وفرتها أسواق المكتبات والقرطاسيات، وتغاضي مديري وقادة المدارس والمشرفين عن محتوياتها عند التوقيع عليها.

فأين الفروق الجوهرية التي من الممكن أن تثري هذه الدراسة أو تلك إعداد المعلم لدروسه وتستحق هذا المجهود لعدة سنوات؟

قلت: ولكن هذا لا يمنع أن من بين هذه الرسائل دراسات على مستوى عالٍ وإن كانت ليست بعدد ما أشرت إليه.

واتفقت معه في ختام حوارنا أن ذلك هدرا لجهد علمي استغرق عدة سنوات، خاتمته دسّهُ بين دفتين بغلافين سميكين، مختوما بشعار الجامعة يحفظ بركنه على رف من رفوف تلك المكتبة ومثيلاتها.

غازي الفقيه

غازي أحمد الفقيه كاتب ومؤرخ، نشر في عدة صحف ورقية وإلكترونية ماجستير تاريخ حديث ومعاصر له كتابان مطبوعان: * تاريخ القدس الشريف من 1917 _ 1948 * القوز تاريخ المكان وسيرة الإنسان.. دراسة تاريخية اجتماعية حضارية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق