برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
صدى القرية

فقراء الثقافة والمثقفون الفقراء

الفقر يأخذ معناه من الواقع الاجتماعي للفرد، فمن يعتبره سكانُ دولة متقدمة كالنرويج فقيرا يكون في دولة متخلفة كيمن الحوثي أو سوريا بشار أو لبنان نصرالله وباسيل من الطبقة الارستقراطية الغنية، كما أنه يأخذ معناه أيضا من الوعي الثقافي للفرد، فعامة الناس والدهماء الذين لا يملكون وعيا ثقافيا كبيرا يعتبرون توفر المسكن والملبس والمأكل والمشرب والمنكح كافيا لهم، ولديهم من القوة الجسدية وفراغ البال واتساع الوقت والجهد، ما يساعدهم لتحصيل المزيد من المال إذا شاءوا.

لكن المثقف الفقير من المال هو من يعاني حقيقة في مجتمعات متراجعة حضاريا ومؤسسات لا تقيم للمثقفين والأدباء وزنا، يضاف لذلك أن المثقف عزيز نفس مترفع عن تحصيل المال من الجمعيات غير الربحية، والتي هي في الأصل جمعيات دينية لا ترى في المثقف المستنير كبدا رطبا يستحق الأجر، بل تنظر له كعدو يجب التشديد عليه بكل الطرق، يؤسفني هذا التهميش للأدباء والمثقفين في مجتمعاتنا العربية، بينما ينال خيرها ويكدس أموالها فقراء الثقافة والفكر الذين لا يضيفون للحياة والبشرية إلا ما يلوثون به الفضاء الثقافي، من ترديد أفكار الموتى القروسطيين والتبشير بها ونشرها وفرضها بقوة الأكثرية كما قال إيليا:

لما سألت عن الحقيقة قيل لي

الحق ما اتفق السواد عليه

نرضى بظلم الأكثرية مثلما

يرضى الرضيع الظلم من أبويه

إما لخير يرتجيه منهما

أو خيفة من أن يساء إليه

وإن أكثر المثقفين والأدباء تهميشا وظلما في مجتمعاتنا العربية هم الذين نشأوا في الأرياف والقرى، يعرضون سبائك الذهب في أسواق الحديد، فلم تنتشلهم سلطة ولا مال، يكتبون لليل والريح والمطر ويغنون للفجر والحب والأمل، تطحنهم ضروريات الحياة المادية وخطب وعاظ الصحوات الدينية وألسنة ونظرات الجماهير الغوغائية، التي يقودها الطائفيون و«الصحويون» نحو المزيد من التخلف والتجهيل والتراجع الحضاري.

كتبت هذه المقالة حينما خرجت من مجلس فيه قوم لو وزنتهم بميزان الثقافة والفكر والحضارة، لا يساوون قيمة ما يكتبه مثقف مستنير على واجهة علبة سجائره، فليس لهم مؤلف مفيد ولا قصيدة ماتعة ولا رأي منطقي أو فلسفي ولا نظرية إنسانية أو قانون علمي، وكل ما يملكونه ورقات كرتونية يسمونها في بلاد العرب «درجات علمية» وأموالا مكدسة جاءت من حيث لا يحتسبون، ولكن للأسف من يملك المال والوجاهة في هذه المجتمعات المتراجعة حضاريا يملك كل شيء.

فمسكين ذلك المثقف المذموم حيا والمنسي ميتا.

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق