برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فلسفة

أنواع الحب

العلاقات الإنسانية متنوعة ومعقدة، ويكاد يجمع الفلاسفة وعلماء الاجتماع على أن الإنسان كائن اجتماعي، بمعنى أنه لو نشأ منعزلا لما كان إنسانا، إذا افترضنا أنه عاش ولم يهلك، فاللغة عنصر أساسي في ماهية الإنسان، والعقل بوصفه ملكة طبيعية تحتاج إلى اللغة وإلى المجتمع لكي تعمل وتنشط، ولا وجود للغة خارج إطار الاجتماع البشري.

من هذا المنطلق لا يمكن قيام منظومة أخلاقية بلا نسق اجتماعي وعلاقات اجتماعية، فلكي يكون المرء كريما لا بد من وجود أشخاص يقوم بإكرامهم، ولكي يكون شجاعا لا بد أيضا من الانخراط في مواقف اجتماعية تسمح بممارسة الشجاعة، وهكذا مع بقية القيم.

ولو أن إنسانا ترك العالم وانعزل في جزيرة خالية من كل كائن حي، فسيكون من الصعب وصفه بالكريم أو الشجاع أو المتسامح، من هنا فالنسق الأخلاقي والقيمي عموما يفترض وجود علاقات اجتماعية، وتصاحب العلاقات الاجتماعية عموما مواقف شعورية متباينة، مثلا، علاقة الأبوة والأمومة تنطوي على مشاعر الحب والحنان والأمن، وعلاقة الخصومة تحمل مشاعر الكراهية، ومن هنا فالحب ليس علاقة اجتماعية بل شعور يصاحب العلاقات، فما العلاقات الاجتماعية التي يصاحبها الحب؟

1- علاقة النسب «الأبوة، الأمومة، البنوة… إلخ» فالشعور الذي يصاحب علاقة الابن بأبيه أو أمه هو شعور الحب، إضافة إلى مشاعر أخرى كالشفقة والرحمة والفخر والبهجة، ويحدث أن ينشأ صراع بين الأقارب ولكن هذا يعد انحرافا عن الطريق الصحيح، ولذا نتعجّب عندما نرى أبا يكره ابنه أو العكس، ونوع الحب هنا هو الحب الفطري.

2- علاقة الصداقة: فالصديق يحب صديقه، وأي صداقة لا يكتنفها الحب فهي صداقة مزيفة أو صداقة مصالح وليست علاقة صداقة حقيقية، ونوع الحب هنا هو الحب الاجتماعي.

3- العلاقة الرومانسية: وبصرف النظر عن الإطار الشرعي للعلاقة، فإن الرجل يحب المرأة أو العكس، ونوع الحب الذي يرافق العلاقات الرومانسية هو الحب الغزلي، والعلاقة الزوجية إذا كانت ناجحة يمكن أن تجمع بين العلاقة الرومانسية وعلاقة الصداقة.

4- علاقة الانتماء: فالمرء يحب وطنه أو أمته أو دينه، والحب هنا معنوي، وهو يتعلق بكينونات معنوية كلية لا فردية.

5- علاقة الملكية: وهي علاقة المرء بما يملك، مثل علاقة المرء بحيوان معين «كلب، قطة، ناقة» ويصاحبها حب، وقل مثل ذلك في حب المرء لسيارته مثلا، ولاسيما إذا كانت تعبر عن ذكريات خاصة، والحب هنا إحيائي أو تجسيدي، ففيه يتم التعامل مع الشيء وكأنه إنسان.

ومثلما أن الحب يرافق العلاقات الاجتماعية، فهل يرافق الكره العلاقات نفسها؟

علاقة النسب وعلاقة الملكية لا تستلزمان الحب كشرط ضروري، فيما يتعلق بعلاقة النسب أو الدم نجد أنها تبقى قائمة بغياب الحب، فكرهُ الابن لأبيه لا يمنع الأخير أن يظل أباه، إذن فالحب ليس شرطا ضروريا، وكذلك علاقة الملكية، فعدم حبي لما أملك لا يلغي ملكيتي لها.

أما بقية العلاقات فالحب ملازم لها، ففي علاقة الصداقة نجد أن غياب الحب يؤدي إلى تدميرها، لذا فالحب شرط ضروري هنا، والصداقة بلا حب ستكون مجرد علاقة مصالح أو منابع متبادلة، وقل مثل ذلك في العلاقة الرومانسية فهي بلا حب ستكون مجرد علاقة جنسية، وأما الانتماء فهو بالتعريف يستوجب الحب، ولا يمكن أن أشعر بالانتماء لشيء أكرهه.

شايع الوقيان

كاتب سعودي، عضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية. له عدد من المؤلفات منها: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا، وقراءات في الخطاب الفلسفي، والوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق