برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

وسائل التواصل وإعادة تشكيل الصورة النمطية

لطالما كان في ذهن الإنسان تصوّر ما عن الإنسان الآخر المختلف أو البعيد عنه، صورة يصنع ملامحها من الرواة ومن الأحاديث ومن الكتب ومن الأساطير وأحيانا من الخيال، لكنها تبقى صورة ذهنية تسد فراغ جهله وعدم معرفته لتفاصيل شخصية وطبيعة وطرائق معيشة هذا الإنسان الآخر بسبب غياب التواصل المباشر معه.

بهذه الكيفية صنعت المجتمعات البشرية صورة ذهنية نمطية تكاد تكون ثابتة ومسلم بها لأفراد المجتمعات الأخرى، وأصبح تدوير هذه الصورة النمطية وتوريثها للأجيال اللاحقة هو جزء من ثقافة المجتمعات.

وبهذه الكيفية تشكلت لدى أفراد مجتمع ما قناعة ثابتة بأن أفراد هذه المنطقة يتصفون بالصفة الفلانية كالكرم أو البخل أو الشجاعة أو الجهل أو الغدر… إلخ، بالشكل الذي جعلهم يتعاملون مع كل شخص ينتمي لهذه المنطقة أو المجتمع، انطلاقا من تصوراتهم المسبقة عنه، وكأن جميع الأفراد نسخة طبق الأصل من بعضهم البعض، ونظرا لكون المجتمعات تسعى بشكل لا واعي لتجميل صورتها وتشويه صورة المجتمعات المختلفة عنها، فإنها عادة ما تشكل في أذهان أفرادها صورا نمطية مشوهة وغير منصفة للمجتمعات الأخرى بالشكل الذي يحد من علاقات هؤلاء الأفراد بغيرهم أو يجعل من علاقاتهم حذرة ومتوجسة وغير سليمة، إن حدثت.

لكن مع تقدم التقنية السريع وظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت حاجز المكان، وخلقت طرائق تواصل لا محدودة ما بين الأفراد، فإن الصورة النمطية التقليدية المتوارثة بدأت في التكسّر والتلاشي بشكل جزئي، فمن خلال تواصل الإنسان الذي يعيش في مشرق الوطن العربي على سبيل المثال مع قرينه بالمغرب العربي بشكل مباشر، سيكتشف أن غالبية تصوراته المسبقة ليست دقيقة وقد تكون مجحفة بحق الجميع.

لنجد أن الشكل الجديد من التواصل الذي وفرته لنا وسائل التواصل الاجتماعي، قادر على أن بمنحنا معرفة الآخر كما هو، متى ما رغبنا ذلك، بعيدا عن كل الصور النمطية التي تم تورثيها لنا عنه، هذه الصورة التي صنعها الإنسان العربي عن أخيه العربي الذي يعيش في دولة أو جهة أو منطقة مختلفة عنه، ولطالما كانت صورة نمطية قاسية ومجحفة حد الظلم والتجني والتشويه، التشويه المتبادل الذي صنع حاجزا كبيرا ما بين بناء علاقات إنسانية سوية ما بين الأفراد العرب.

هذا الحاجز الذي أعتقد أنه سيسقط بشكل كامل خلال السنوات القادمة، بفضل وسائل التواصل التي أصبحت تشكل ثقافة جديدة، وطرائق معيشة وتفكير جديدة، لن يكون للصورة النمطية المتوارثة مكانا فيها.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق