برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رأي أعمق

حسبي على الأيام

«الحسبنة» هي أول رد فعل للمظلوم، ويعود له إظهار ذلك قولا وفعلا من كتمانه والبوح به في ظهر الغيب، في وقت يختلي فيه بنفسه مناجيا خالقه.

و«الحسبنة» كذلك هي آخر ما يلجأ إليه الظالم حين لا يسعفه مكره ويفتضح ظلمه، ويقع في وحل من شرور أعماله التي انكب على تغذيتها بالمَظلمات والموبقات وسوء الأخلاق، حتى لم يعد قادرا على الخروج منها وحتى افتضحت وصارت ترى بالعيون كما بالقلوب، لأن قدرة السر الاستيعابية لدى ذلك الظالم لم تعد تطيق احتمالا.

وتكون حسبنة الظالم كالسهام المصنوعة من أجود أنواع الأخشاب وأقساها، ولكن برأس مدبب مصنوع من القطن الرديء أو المطاط الذي لا يصيب شيئا بأي مكروه، وتكون كذلك مليئة بالغل والكره المقنع بادعاء المظلومية.

الفكرة من كل ذلك، أن الجميع يتحسبن، والجميع يدعو بظهر الغيب وكذلك في وجهه -أي الغيب- لأن المخطئ كما هو معلوم لن يقول أنا مخطئ، والظالم كذلك لن يفاخر بظلمه، لكنهما سيبدعان في خلق المبررات التي تقدم لهما الرخصة التي يحتاجون لها، فهي في النهاية صنيعة أنفسهم.

هناك من وصل به الحال إلى الحسبنة على الأشياء التي لا تعي، وهناك من وصل به أن تغنى بحسبنته على «الأيام والحظ الردي» مع وافر التقدير لصناع الأغنية، وبعض العذر الذي قد نلتمسه للأغراض الشعرية واللحنية، لكن ذلك البيت يصف تماما ما أريد إيصاله، لأنه إن كان ولا بد، فتحسبن على من قام متعمدا بفعل ترى أن فيه ظلما عليك، لدرجة أن دفع ذلك الظلم شبه مستحيل أو مستحيل تماما، لكن أن توجه سهام حسبنتك نحو يوم أو أيام يكفيك من النعم أنك ما زلت فيها تتنفس، فذلك ظلم كبير تمارسه -عزيزي المظلوم- ضد مظلوم آخر، يختلف عنك أنه لا يعي ما تقول، ولو وعى لكان أول ما فعله هو استبعادك من حيزه الذي تنعم فيه بحياتك، ويحق له بالتأكيد أن يتحسبن.

ريان قرنبيش

ريان أحمد قرنبيش، متخصص في الأدب الإنجليزي، كاتب رأي في عدد من الصحف، مهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، له مؤلف تحت النشر.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق