برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مجرد قراءة

سرديات عالم كورونا

الجائحة العالمية التي لا نزال نعيش أحداثها والسياقات التي وضعتنا فيها، أجبرت الجميع، مجتمعات وأفرادا، للتفاعل معها والتعبير عن مواقفهم من عموم ما يحدث.

فليس من الهيّن أن يتوقف عالمٌ اعتدنا على ديناميكيته، وأن نتوقف عن التفاعل مع ذلك العالم الديناميكي، دون أن يتفجر فينا ذلك الفضول البشري الذي يدفعنا للتساؤل: لماذا ومن وكيف؟

يُقال إن الإنسان لا يعيش إلا داخل سرديات، فهو لا يستطيع أن يتفاعل مع محيطه ووجوده دون أن يعطي لذاته هوية، ولوجوده معنى، ولما يدور حوله تفسيرات، وتاريخ الفكر الإنساني ليس سوى سرديات كبرى يجتهد العقل البشري في ابتكارها ليتكيف مع الوجود.

كان الفرد يتماهى مع سردية المجموعة البشرية الصغيرة التي يتفاعل معها في نطاق بقعة جغرافية صغيرة، ولكن مع انضغاط الزمان والمكان بفعل التكنولوجيا وثورة الاتصالات والمواصلات، انفتح الفرد على تفاعلات لا منتهية مع ذوات أخرى، بحيث إنه أصبح منفتحا على سرديات أخرى، في الوقت نفسه، الذي أصبح فيه يواجه أسئلة أكثر مما كان عليه قبل تمكنه من «التواصل الكوني»

زمن الجائحة كان مسرحا للسرديات لكي تتجاور، بل مختبرا لها لتتفاعل، ذلك الفضول والرغبة في فهم ما حدث، اصطدم بتفسيرات كانت تقدم نفسها كسرديات، والسرديات عادةً ما تكون في شكل «عالم متماسك ومتخيّل» وبالتالي يمكنها تفسير كل شيء ضمن مكونات عالمها.

ففي هذه الأزمة، نشاهد «سردية المؤامرة» التي راجت منذ «ووهان» حتى الإعلان عن تطوير لقاح فعّال ضد المرض الذي يسببه الفايروس. وهي سردية كانت ماثلة قبل الجائحة، وتعطي من يؤمن بها تفسيرا لقضايا كثيرة في العالم، وتنسج عالمها من وجود حكومة سرية للعالم، وحركات مخفية تحرّك العالم، وتدعّم عالمها بشواهد تنتقيها ثم تعمل على شبكها بعناية لتمثّل التماسك المطلوب لإقناع الفضول البشري.

«سردية العلم» أيضا التي تتمثل في تأليهه وصعوده المطّرد وقدرته الإعجازية على حل مشكلات الكوكب صعدت أيضا خلال الأزمة، واضعةً رهاناتها على قدراته في كبح الجائحة.

«السرديات الدينية» حضرت أيضا في كل المجتمعات الإسلامية والمسيحية والمجتمعات التي تسودها الأديان اللا وحيانية، وهي وإن تباينت باختلافات بسيطة، لكنها تمحورت حول مفاهيم تتعلق بهشاشة العالم المادي، والضعف الإنساني، ومعاني الابتلاء وسبل الخلاص.

تجاور هذا السرديات سبب استجابات متباينة عند المذهولين باتساع دائرة تأثير الجائحة، فالمؤمنون بسردية المؤامرة تجاهلوا في البداية وجود الفايروس وعارضوا إجراءات الإغلاق، وأصحاب بعض السرديات الدينية تحدثوا بأنه غضب سيصيب الأقوام الكافرة فقط. والمنغمسون في السرديات العلموية راهنوا على كبح جماح الفايروس لأن العلم في هذه اللحظة من عمر البشرية، لا يمكن أن يترك البشرية تعاني من وباء دون حل سريع كما حدث في القرون الماضية.

قدمت كل سردية لمن يتبناها تفسيرا يرضي توقه للمعرفة وتطلعه للتفسير، وأوقعت كثيرين في شراك تفسيراتها المختلقة بتسطيح واختزال شديدين لا يعكسان واقع ما يحدث، ولا حتى يقاربان ذلك الواقع، وليس منتهى قولي هنا بأن كل تلك السرديات باطلة وكاذبة، بل أقول إن الواقع لا يمكن اختزاله في سردية واحدة تدّعي تفسيرها للذات والعالم.

فلربما كانت هناك مؤامرات في جزء من تداعيات الأزمة، وربما نتفق على أن الأزمة أظهرت هشاشة وجودنا وضعف حيلتنا كما تردد سرديات دينية. ولكن الحقيقة لا تنحبس في حيّز واحد، بل تنتشر في كل ناحية، ولا إمكانية للقبض عليها، بل يمكن مقاربتها بالانفتاح على كل الاحتمالات.

محمد الشافعي

محمد بن عبدالله الشافعي، حصل على درجة الماجستير في هندسة البترول من جامعة تلسا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس الهندسة من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، كاتب ومدون، مهتم بدراسات سيسيولوجيا الدين، عضو عدد من الملتقيات الأدبية، وله الكثير من المشاركات في محافل ثقافية في موضوعات المجتمع الشبكي، والهُويّات، والدين والمجتمع.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق