برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قضايا معاصرة

مثبطات التوطين ومحفزات البطالة

تستهدف «رؤية 2030» معالجة الكثير من التحديات التنموية التي تواجهنا على المستوى الوطني، التي تحتاج إلى حزمة من السياسات المتكاملة ما بين القطاعات ذات الصلة، بما يخدم التناسق بينها ويسهم في تحقيق الأهداف المقصودة، باتخاذ إجراءات مناسبة وتنفيذ آليات فاعلة، تشكل في مجموعها منظومة متكاملة من الخطط الاستراتيجية التي تستوعب في مضمونها حجم ونوع التحديات، وتستهدف معالجتها في ضوء خطة وطنية مشتركة، تتحمل فيها القطاعات المختلفة مسؤولياتها المنوطة، بما يتفق مع طبيعة أعمالها ومسؤولياتها.

ولعل من أحد أهم ما نواجه من تحديات تنموية هو الارتفاع المتنامي في معدل البطالة حتى بلغت 15.4 في المئة في الربع الثاني من العام 2020، وذلك على الرغم من انخفاض نسبة العاملين من المواطنين في سوق العمل الوطني، الذين لا يتجاوز عددهم 3.171.422 مواطنا، مقابل 9.925.813 غير مواطن، وذلك لا يشمل العمالة المنزلية، التي تشكل وحدها نحو 3.704.641 عاملا، وعليه فإن المواطن لا يشارك في مجمل سوق العمل الوطني سوى بنسبة 31.9 في المئة، ويزداد الانخفاض في مستوى مشاركته إلى نحو 20 في المئة في القطاع الخاص، بينما يستحوذ غير المواطن على نسبة 80 في المئة من جملة المشتغلين في ذلك القطاع.

يمثل القطاع الخاص، الجانب الأهم في التوظيف لتوجهاتنا التنموية ومستهدفات الرؤية، لكونه القطاع الذي يتضمن القاعدة الإنتاجية المستهدفة، بما تحويه من طبيعة أعمال مختلفة، وما تشكله من أهمية في المساهمة في تنويع قاعدتنا الاقتصادية، لرفع نسبة مساهم الإنتاج المحلي في قيمة الدخل الوطني المنتج، وليس الدخل الريعي المعتمد على بيع النفط، الذي كان القاعدة التي استندت عليها مسيرتنا التنموية لنحو نصف قرن، بدأت مع بداية إنتاج البترول واستثماره كسلعة اقتصادية، يستثمر ريعها في تسيير كل المؤسسات والأعمال في الوطن.

العمل على تعزيز نسبة مشاركة المواطن في الوظائف المختلفة المتاحة في القطاع الخاص، لا يعني فقط خفض نسبة البطالة التي تمثل أحد أهم تحدياتنا التنموية، بسبب حجم انعكاساتها السلبية على التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي الوطني، وإنما تعني مشاركة المواطن في بناء وطنه بما يكسبه خبرة وولاء ومزيدا من الانتماء والمواطنة، لذلك الوطن الذي يحتويه تحت مظلته وينعم بأمنه واستقراره.

توطين الوظائف يعني الإحلال، ويكون بتوظيف مواطن في وظيفة متاحة يشغلها غير المواطن، بمعنى أن يحل المواطن محل غير المواطن، بينما التوظيف العام يكون بوجود فرص عمل شاغرة، أو متاحة للتوظيف، فيكون المواطن هو الأهم لشغلها، وبالطبع يرتبط ذلك جميعه بالمؤهلات بصفة أساسية باختلاف مستوياتها ومجالاتها، باعتبار أن سوق العمل يحتاج جميع ذلك، ثم تأتي الخبرة كعامل مساند في سرعة التوظيف، وبالتأكيد لن تكون الخبرة متاحة للمواطن، إلا عند رغبته في تغيير مكان عمله، إذ إن طلب الخبرة لحديثي التخرج، يعتبر من أساليب التعجيز والتهميش المقصود في توظيف المواطن، وعليه يتم استبعاده وتوظيف غيره، من غير المواطنين من الذين لم توثق مصداقية مؤهلاتهم وخبرتهم.

وبالإشارة إلى ما تم نشره مؤخرا، بالسماح لأصحاب شركات القطاع الخاص، بتوظيف الأجنبي في مناصب قيادية، وألا يشترط فيها أن يكون مواطنا، السؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك إدراك لحجم كارثية هذا القرار في رفع نسبة توظيف غير المواطنين، على حساب توظيف المواطنين ونمو بطالتهم أكثر مما هو قائم؟ وهل القصد من هذا القرار هو الحد من التستر ليكون أسلوبا صريحا في التجارة؟ وأليس ذلك يعتبر تهديدا للأمن القومي في قيادة الاقتصاد الوطني؟ وألا يسهم ذلك في زيادة حجم تحويلات العمالة الوافدة إلى الخارج بما ينعكس سلبا على انتعاش ونمو الاقتصاد الوطني؟ وألا يعتبر المواطن أحق بتلك المناصب القيادية وأكثر أمانا وفائدة على المدى الطويل وطنيا؟ وأين هم مواطنونا من تلك المناصب الحساسة التي تؤثر على مستوى منجزاتنا الوطنية؟ وأين هم مخرجاتنا من الابتعاث والجامعات والكليات بمختلف تخصصاتهم؟ أليس توظيف المواطن وتوطين الأعمال من أحد أهم مستهدفاتنا؟

تحقيق أهدافنا الوطنية، يتطلب سياسات وإجراءات تخدم تلك الأهداف بما يُمِكّن من تحويلها إلى منجزات حقيقية، في حين أن اتخاذ قرارات تسهم في تعثر تحقيق أهدافنا ولا تخدم تطلعاتنا التنموية الوطنية، سيُسهم -بلا شك- في تراكم ما نواجه من تحديات، وبما يتطلب مراجعة عاجلة، لتصحيح توجهات، تخدم مصالح خاصة على حساب الوطن والمواطنين.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق