برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

هل نحن شعب «مهايطي»؟

البحث عن التميز والتقدير والاحترام والسعي لتحقيق مكانة اجتماعية وسط المجموعة، هو سلوك بشري طبيعي وجزء من تركيبة وشخصية الإنسان، وواحدة من الصفات التي فطر الله عليها البشر منذ بداية وجودهم على هذه الأرض.

فطبيعي جدا أن ينافس الإنسان أقرانه في عمله وفي سلوكه وفي تقاطعاته مع الآخرين، ليحقق الأفضلية التي تمنحه مزيدا من التقدير والاحترام وسط محيطه المجتمعي، غير الطبيعي هو أن يتحول هذا السعي إلى نوع من الهوس المعطّل للحياة بدلا من أن يكون دافعا لها، أن يتحول هذا السعي إلى سلوك يرتكز على المظاهر والشكليات والادعاء الزائف لممارسات كانت ولا تزال تمثّل للناس قيمة اجتماعية وإنسانية عالية، سواء كانت هذه الممارسات تمثل شكلا من الكرم أو النخوة أو التضحية… إلخ، من القيم الإنسانية التي لطالما كانت داعما معيشيا وأخلاقيا للمجتمع.

في ظل الأمن ورغد العيش اللذين يعيشهما مجتمعنا في عصرنا الحالي، مقارنة بماضيه أو ببقية العالم المعاصر، اندفع هذا المجتمع نحو صراع المكانة الاجتماعية بشكل غير مسبوق، صراع يغلب فيه الادعاء على الحقيقة، ومظهر الممارسة على حقيقتها، ساهمت وسائل التواصل في تأجيج هذا الصراع الوهمي والمتخيّل والتفنن في تسويق صور ومظاهر للقيم الاجتماعية لم تكن مألوفة في السابق.

صور من المبالغة المفرطة التي تغذيها الشيلات الهابطة والصاخبة التي تصل إلى درجة الابتذال أحيانا، ما جعل مظاهر الادعاء «الهياط» تطغى على محتوى التواصل بشكل كبير، ويتم تداولها بين الجميع على الرغم من أن الجميع يعلن رفضه التام لها ولمن يمارسها، لكننا في المقابل حين نرى كم الذين يحتفون بمقاطع الهياط المبتذلة هذه ويعززون أصحابها ويدافعون بضراوة عنهم وعن أسباب تصرفاتهم فيها، ندرك حينها أن «الهياط» سلوك أصيل مرغوب ومحبوب ومطلوب في مجتمعنا، وليس مجرد حالات شاذة كما نحاول تبريرها، ندرك أننا وبكل أسف شعب نحترم «الهياط» ونحبه رغم كل كلمات الاعتراض التي نبديها نحوه.

الغريب أننا ندرك أن الخيّرين الحقيقيين والصادقين الذين نثق بأنهم سيساعدوننا ويساعدون غيرنا متى ما احتاج مساعدة، لن نجدهم في الغالب على منابر الإعلام أو وسائل التواصل ولا في صدور المجالس أو قصائد المديح.

إنهم يقبعون هناك في الخفاء، يفعلون الخير بعيدا عن الأعين، يمنحونه لمن يحتاج دون أن يشعر بهم أحد، فهم يخجلون من أن يظهر العطاء كما يخجل المحتاج من أن يظهر الأخذ، لكننا مع ذلك نشجع «المهايطي» الدعيّ والكاذب من خلال تداولنا لمظاهر الادعاء التي يمارسها وينشرها في وسائل التواصل، ليستغبينا بها رغم إدراكنا أنها مجرد ادعاء، الغاية منه لفت الأنظار لكسب مكانة اجتماعية، فهل نحن مجتمع «مهايطي» في حقيقته وإن ادعى عكس ذلك؟.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق